وداعا بودابست !

شارك

سلام مسافر

حتى قبل ان اصله، أنفجر ضاحكا، وهتف بلهجته المحببة ” سيربوس”!

على مدى سنوات الغربة الطويلة، أرتبطت بودابست في ذاكرتي، ببسام فرج، أحد ابرز الطيور المهاجرة من عراق الأمل ، أواسط السبعينات، الى مدينة الدانوب الازرق.
“أبدأ ما تضيع، الكرخ والرصافة، بودا وبشت” !
وقهقه، بوشت!
فور وصولي الى العاصمة الهنغارية، صيف العام 1978؛ سنة النزوح العراقي العظيم،بحثت عن بسام، لأجده ، مثل سعفة خضراء، يهرع نحو مقهى” العباسية”الشهيرة ، بتجار العملة، وبزيارة عالم الاجتماع علي الوردي، كل صيف للمقهى الذي حافظ على رونقه الامبراطوري، منذ ما قبل النظام الشيوعي، وظل أحد معالم بودابست الساحرة.
كان بسام يتحاشى، السواح العراقيين، المحملين بالدنانير حين كان الدينار العراقي” يذبح جمل”، فقد افرزت
” التنمية الانفجارية” حقبة البترودولار ، طبقة جديدة، تعشق السفر بحثا عن ” الإمتاع والمؤانسة” وليس زيارة المتاحف والمعالم المميزة لبلاد الله الواسعة.
كنا نلتقي في مقاه صغيرة، داخل الحواري العابقة، برائحة الماضي، بجدران منحها الأسوداد؛ بحكم التقادم، بهاءً يليق بمدينة، شهدت أحداثا تاريخة هائلة، ليس أقلها ، قمع أنتفاضة عام1956 ضد الحزب الشيوعي الستاليني.
لم نتحدث عن أوضاع العراق، الذي غادرته في جنح الليل،بل استعدنا ذكريات ساخرة، ومواقف طريفة عن عملنا في ” مجلتي والمزمار” ومجلة
” الاذاعة والتلفزيون”، واستعرضنا أسماء الزملاء، ولكل واحد قصته مع السلطة وعمايلها!
حتى حادث الاعتداء الذي ترك ندبة على أنف بسام الطويل، مدى الحياة، زوقها الرسام، بسخرية، وكان يتلذذ بروايتها، والبحث عن الجهة التي حرضت” أبن الزفرة اللي كان يغار من خشمي الجميل”.
قلت له:
” تعرف بعض علماء التشريح يؤكدون إن الخشم الطويل لدى الرجال، علامة فارقة على الفحولة وقوة الباه”!
يضحك بسام على طريقته، ضحكة مكتومة، ترتفع تدريجيا الى قهقهة.
وحدثني:
” تعرف، بعد ان إتسعت قاعدة معارفي من الهنغار ، حتى بدأت اسمع منهم سؤلا يتكرر في أغلب المجالس، هل تعرف الهيل؟”
وواصل بسام :
” حين بحثت عن سر الإهتمام المجري ب(Cardamom) الاسم العالمي لحبة الهال، عرفت ان مستعربا مجريا ترجم الى الهنغارية أول، وأكثر المؤلفات الإباحة في العالم، عودة الشيخ الى صباه في القدرة على الباه، لمؤلفه أحمد بن سليمان،وفيه يتحدث عن الاعشاب المقوية، ومنها حبة الهال، ذات العطر الفواح، وعلكة الجواري والغانيات”!
يروي بسام ، أطرف المصادفات في حياته المجرية، التي فتحت أمامه افاقا واسعة في عالم الكاريكاتير ورسوم أفلام الكارتون، وصار أحد أفضل المساهمين في مشروع أتحاد الإذاعات العربية” أفتح ياسمسم”.
وعمل في المشروع رسامون وكتاب عراقيون ، بينهم الشاعر والصحفي والكاتب الراحل زهير الدجيلي، الذي كان يفحص رسومات بسام الكاريكاتيرية ، حين عملنا سوية في مجلة “الإذاعة والتلفزيون” ويرجوه بصوت خفيض وبلهجته الجنوبية المحببة:
” خويه بسام لا تورطنا ويه الجماعة”.
ولم يتحمل بسام سطوة ” الجماعة” فهاجر من العراق أواسط السبعينات، وعاش في هنغاريا مع شريكة حياته
” جوجا” الفتاة الهنغارية الجميلة، وأصبح اسمها جزءا من “فولكلور” أصدقاء بسام المحبين، يسألونه عن
“جوجا” مع كل التموسق المألوف لدى أصدقاء بسام الظرفاء في لفظ الاسماء ، يشجعهم على ذلك أريحية المبدع، وروحه المرحة، وسخريته المتدفقة،نهيرات عذبة.
حين التقينا للمرة الأخيرة في بودابست خريف العام 2015، كان منشغلا بإجراءات دفن والدة
” جوجا” وكان يحدثنا عنها، وعن غيرتها على ابنتها، ومحبتها للزوج القادم من عقد النصارى في البلد البعيد الذي أرتبط في أذهان الهنغاري بالف ليلة وليلة وعلي بابا والأربعين حرامي.
لم يتصور بسام، رغم خياله الواسع، حين غادر بغداد مع تجربة صحفية كاريكاتورية بدأت من سن 15 سنة، ان حرامية علي بابا، سيحكمون العراق، بعد ثلاثة عقود تقريبا من هجرته القسرية، وحافظ خلال تلك السنوات على علاقة عملية مع الحزب الشيوعي العراقي، الذي آمن بسام بمبادئه حتى النهاية، رغم انه عاش الانهيارات المروعة للشيوعية في مواطنها.
يصعب الحديث عن بسام فرج، بصيغة الماضي. والأصعب تخيل انه سيصمت في القبر!
قطعا سيجد بين الأموات، من تحييه الرسوم الساخره، وسيبعث معهم، وفيهم الروح مجددا، كما بعث في حياته على الأرض ،إرادة السخرية من السلطات التي قاومها بسام بريشته الرقيقة، المفعمة بالقوة على مدى ستة عقود، من الضربات القاتلة، للنفاق، والقمع ، والعسف، واللصوصية والانتهازية، والتخلف، والديكتاتورية، واللصوصية….
وداعا بودابست!
فقد غاب عنك الحبيب بسام، ولم تعد زيارتك، فرضا، بل سُنة!
سلام مسافر