خبراء التنقيب يكدّون في سبيل اكتشافات أثرية جديدة والحفاظ عليها.
رحلة البحث تحت الشمس

نينوى سرّ الحضارات البشرية التي تعاقبت عبر التاريخ تحاول اليوم أن تنهض مجددا من خلال التنقيب عن الكنوز الأثرية المخفية وبعث مشاريع سياحية لاستقطاب السياح الذين تستهويهم ثقافة الشعوب، خاصة بعد أن أصبحت الأهمية التاريخية لهذه المحافظة العراقية منشورة على مواقع مختلفة في الإنترنت.

الموصل (العراق) – بعناية فائقة وحرص شديد يعمل جابرييل جياكوسا، الباحث في جامعة بولونيا الإيطالية، ضمن فريق ينقّب في الركن الشمالي الشرقي من الموقع الأثري في نينوى بالعراق.

وقال جياكوسا “هناك اعتقاد منذ سنوات يفيد بأن هذا الجزء من الموقع كان مكانا غنيا بالحدائق والبساتين”، مضيفا أن “أعمال الحفر كشفت عن صورة مختلفة”.

وتابع “كانت هذه المنطقة مكتظة بالمباني التي تربط بينها طرق صغيرة وشوارع أخرى كبيرة. وبناء عليه فإن هذا الجزء من نينوى كانت تشغله بنايات كثيرة مثل المنازل والورش”.

وفي منتصف مايو الماضي أعلنت مديرية الآثار والتراث في محافظة نينوى أن ثلاث دول أجرت عمليات تنقيب في نينوى، فيما حددت موعد افتتاح المدينة الأثرية أمام السياح.

1700

عدد المواقع الأثرية في مختلف مناطق نينوى، ما يعني أنها قد تكون وجهة جاذبة للسياح

وأشار مدير مفتشية المحافظة خيرالدين أحمد ناصر إلى أن “بعثة الجامعة الألمانية كانت موجودة في محافظة نينوى خلال الشهر الماضي لإجراء تنقيبات في منطقة النبي يونس، إضافة إلى وجود بعثة جامعة بنسلفانيا التي كانت تقوم بالتنقيب في بوابة المدخل الأثرية”.

وأشار إلى أن “بعثة جامعة بولونيا الإيطالية باشرت للموسم الرابع على التوالي عمليات التنقيب في موقع شرق مدينة نينوى الأثرية”، مبيناً أن “عمليات التنقيب أسفرت عن اكتشاف بعض الأبنية المهمة واكتشاف بوابة جديدة من بوابات مدينة نينوى الأثرية”.

وأكد أن “مفتشية الآثار والتراث في المحافظة تعمل في الوقت الحاضر مع بعثة جامعة بولونيا الإيطالية من أجل إضافة أعمال التنقيب وتأهيل موقع المدينة الأثرية سياحياً”، لافتاً إلى أن “جامعة بولونيا الإيطالية ستتكفل بجميع نفقات التأهيل، ودور المفتشية سيقتصر على العمل والإشراف”.

وأضاف أن “مدينة نينوى الأثرية ستُفتح في العام المقبل لاستقبال الزوار، فيما ستستمر عمليات التنقيب عدة سنوات أخرى”، مبيناً أن “مساحة المدينة الأثرية تبلغ 6 كيلومترات مربعة، وتضم بيوتاً أثرية وبعض القصور الآشورية والبوابات والأسواق الأثرية”.

وتابع “لا يمكن إدخال المواصلات إلى المواقع الأثرية، إلا أنه يوجد مرآب خارج المدينة الأثرية لوقوف السيارات، فضلاً عن وجود أكشاك ومحطة استراحة لاستقبال الزوار والسياح”.

وقال عمر حمدون من مفتشية الآثار والتراث في نينوى “تم العثور على ما يقارب خمسين رقما طينيا، إضافة إلى اللغة الأثرية المتمثلة في الخرز والأختام والكتابات بالألواح المسمارية، فضلا عن اكتشاف قناة المياه التي تُدخل المياه إلى مدينة نينوى الأثرية من الجهة الشرقية”.

 

رموز لحضارات لا تُمحى
رموز لحضارات لا تُمحى

 

من جانبه قال نيكولو مارشيتي، أستاذ آثار الشرق الأدنى في جامعة بولونيا، إن هذا المشروع العراقي – الإيطالي المشترك انطلق في عام 2019، وهو ثمرة تعاون بين جامعة بولونيا والهيئة العامة العراقية للآثار والتراث.

وأضاف مارشيتي أن الفريق لا يعمل على حماية الموقع فحسب، وإنما يعمل أيضا على ترميم البنايات القديمة وإصلاح بعض الأضرار التي لحقت بهذه البنايات على يد تنظيم الدولة الإسلامية.

وأوضح “هذا ليس مجرد بحث أثري. مدينة نينوى القديمة تعرضت لأضرار شاملة نتيجة تعديات شرق الموصل الحديث. لذلك علينا أن نتعايش مع هذا الواقع، لكن في نفس الوقت علينا أيضا وضع استراتيجيات وتقديم مبررات حماية الموقع أمام السكان في المقام الأول”.

وقال مارشيتي إن “السلطات المحلية تعتزم إنشاء منطقة خضراء بجوار الموقع لجذب السياح”.

وأنجزت مديرية بلديات نينوى عددا من المشاريع السياحية لإعادة السياحية مجددا إلى مناطق سهل نينوى بعد أن توقف إنجاز هذه المشاريع في شرق الموصل.

وقال رعد الحديدي مدير بلدية نينوى “من بين المشاريع جزيرة سياحية وثلاث قرى سياحية ومدينة ألعاب وماجدي لاند للألعاب الإلكترونية والأطفال، إلى جانب مطاعم وكازينوهات حديثة داخل سهل نينوى”، مبينا أن “أغلب المشاريع في قضاء الحمدانية وتلكيف وناحية برطلة”.

وقال مارشيتي “في المنتصف نبني هذا العام مركزا سياحيا، دون استخدام الخرسانة أو أي شيء آخر. سيكون مبنى من الطوب اللبن يراعي مقتضيات الاستدامة والحفاظ على البيئة والمنطقة الأثرية، ويمكن للسياح أن يجدوا فيه الراحة ويحصلوا على المعلومات”.

Thumbnail

ويتفق العديد من الخبراء على أن محافظة نينوى تعد من المحافظات العراقية التي تضم أكثر المواقع الأثرية من مختلف العصور، بل قد تكون أكثر منطقة في العالم تضم هذا النوع من المواقع؛ إذ يقارب عدد المواقع الأثرية 1700 موقع في مختلف مناطق المحافظة، ما يعني أنها قد تكون وجهة جاذبة للسياح خاصة بعد أن أصبحت تأشيرة الدخول تُمنح عند الوصول إلى بغداد للعديد من الجنسيات الأجنبية.

وتحاول الحكومة العراقية منح السياحة بارقة أمل للانتعاش عبر جعل المواقع الأثرية التاريخية تفتح أبوابها لاستقبال الزوار أملا في تنشيط اقتصاد بلد يعتمد بالأساس على عائدات النفط الخام.

وبحسب أرقام هيئة السياحة الحكومية دخل أكثر من 107 آلاف سائح العراق في 2021، بينهم أكثر من 300 من فرنسا والنرويج وبريطانيا وأستراليا والولايات المتحدة وتركيا وغيرها، مقابل نحو 30 ألفا قبل عام.

وتضم نينوى معالم أثرية تجسد معظم إرث العراق الحضاري ومنتجعات وطبيعة ساحرة، إضافة إلى الخصوصية التراثية التي تحظى بها عدة أجزاء من مدينة الموصل وبلدات أخرى محيطة بها كالحمدانية والحضر وتلعفر وسنجار والقوش.

وبعد الإهمال الذي شهدته المنطقة من قبل الحكومات المتعاقبة يبدو أن الدولة العراقية تعمل اليوم على استغلال هذه المواقع وتطويرها بالشكل الذي يجعلها قبلة للسياحة المحلية والدولية.