ميناء الفاو وسؤال عراقي حائر

شارك

هل يفلت مشروع الفاو من قبضة الميليشيات

احتل إعلان رئيس الوزراء في العراق مصطفى الكاظمي الأحد البدء بمشروع ميناء الفاو الكبير في محافظة البصرة الجنوبية الغنية بالنفط والتي تسهم بتمويل موازنة العراق المالية بمعظم مواردها، اهتمام الشارع العراقي وأثار تساؤلات المواطنين وتشكيك المراقبين بجدية التوجه الذي أعرب عنه الكاظمي.

قد يكون صحيحاً أنّ “الميناء سيوفر فرصا كبيرة للعراق ويعزز مكانته الجيوسياسية في المنطقة والعالم، وسيخلق فرص عمل كثيرة لأهل البصرة وباقي المحافظات، وسيسهم في تطوير المحافظة” كما قال الكاظمي عندما حضر احتفال البدء بهذا المشروع.

وقد يكون الكاظمي صادقاً عندما عدّ “مشروع الفاو الكبير ليس فقط للبصرة، بل هو مشروع استراتيجي يسهم في تطوير جميع محافظات العراق وإعمارها، ويجعل من البلد جسراً اقتصادياً يربط مختلف بلدان المنطقة، نحن أمام مرحلة جديدة من تاريخ العراق الحديث، حيث نتجاوز الأزمات، ونتجه نحو البناء والإعمار والازدهار”، لكن التساؤلات التي أثارها المواطنون يجب أن تؤخذ بالاعتبار وهي كيف سيستطيع الكاظمي المضيّ في إنجاز هذا المشروع، في وقت تتسيّد فيه الميليشيات على مفاصل الحياة في البصرة وتتصارع الحركات السياسية على الفوز بالاستحواذ على هذه المحافظة الغنية.

في الـ13 من مارس الماضي أرسل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ممثلاً عنه هو المعمم حازم الأعرجي لإدارة محافظة البصرة، وقال مطلعون إن الاستعانة بالأعرجي جاءت بعد اتهام النائب الأول لمحافظ البصرة محمد طاهر التميمي بالفشل في إدارة الملف الاقتصادي، وقد اجتمع الأعرجي، فور تعيينه والياً للبصرة، بالمكتب السياسي للتيار الصدري في المحافظة وبحضور قيادات ميليشيات سرايا السلام التابعة للتيار والمسؤولين الموالين لهم، وناقش معهم الملف الاقتصادي الذي تقرّر أن يشرف عليه شخصياً، وتقرر في الاجتماع تفعيل طرق جباية الأموال تحضيراً للحملة الانتخابية المقبلة. ونشر مكتب الصدر في المحافظة بياناً بتوقيع الصدر يعين بموجبه حازم الأعرجي ممثلاً عنه في محافظة البصرة، واصفاً إياه بالثقة داعيا أنصاره في البصرة إلى التعاون معه، لكن ما حيّر الشارع العراقي عامة والبصري خاصة هو ما هي صلاحيات الأعرجي؟ هل هي تنفيذية أم استشارية؟ وماذا يقصد الصدر بمصطلح إدارة البصرة، وماذا حقق للمحافظة حتى الآن فهو لم يصدر عنه أيّ بيان ولم يكشف عن جدول أعمال؟

واضح من مضمون الخبر أن الملف الاقتصادي هو أهم ما في مهمة الأعرجي، مما يعني أن هذه المهمة تركز على استحلاب البصرة وخيراتها من أجل تمويل الحملات الانتخابية للتيار الصدري. وفي البصرة ميليشيات أخرى أهمها ميليشيات حزب الله، وممّا يتوقع أن تجري مصادمات بين هذه الميليشيات للفوز بأكبر قطعة من الكعكة، فضلاً عن أن المحافظة تعاني من نزاعات عشائرية مسلحة، تستخدم فيها الأسلحة المتوسطة والخفيفة، غالباً ما يسقط جرّاءها قتلى من الطرفين وحتى من المدنيين. ومن هنا جاء التشكيك بإمكانية أن يكون تنفيذ هذا المشروع جدياً.

التفكير بإنشاء ميناء الفاو ليس جديداً إنما يعود إلى سبعينات القرن الماضي، وقد تم تأجيل تنفيذه بسبب اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية، وهو يعدّ من أهم مشاريع المواصلات الاستراتيجية لأسباب عديدة أهمها موقعه الجغرافي بالغ الأهمية لجهة ربط العراق بخطوط الإمداد بينه وبين جنوب تركيا، ومن ثم أوروبا، وكذلك مع الأردن وسوريا حيث الإطلالة على سواحل البحر المتوسّط، ممّا يعني توفير فرص شحن سريعة مع دول غرب آسيا.

اعترضت إعادة التفكير بتنفيذ ميناء الفاو وبدء الأعمال الأولية في المشروع سنة 2012 العديد من العراقيل في التنفيذ تمثلت في اغتيال المدير التنفيذي للشركة الكورية التي أوكل لها تنفيذ المراحل الأولى له، إذ ثبت أن دولاً إقليمية تقف وراء محاولة عرقلة تنفيذه ومن هذه الدول إيران التي حركت ميليشياتها المسلحة وأحزابها الطائفية للغرض نفسه، لكي تحرم العراق من حيوية هذا الميناء وأهميته للاقتصاد العراقي.

يعتقد الدبلوماسي السابق قيس النوري أن هذا المشروع سوف يواجه معوقات جديدة ما دامت الإرادة العراقية مرتهنة للنفوذ الإيراني، وهي معوقات ما زالت قائمة عبّرت عن حقيقتها بأساليب دموية، كما يعتقد أن وضع الكاظمي حجر الأساس للمشروع يأتي في سياق لا يتجاوز مظاهره الإعلامية في محاولة يائسة لإظهار قدرته السياسية المتآكلة بتأثير الأحزاب الإيرانية الطائفية وسطوتها على القرار العراقي.

هناك من يرى أن ثمة توجهاً لدى الكاظمي نحو تبني سياسة جديدة تبعده بعض الشيء عن هيمنة الموالين للنظام في طهران وتقربه أكثر من المحيط العربي، من خلال إعادة بناء الثقة مع دول خليجية معروفة بخلافها مع النظام في إيران، مثل أبوظبي والرياض، واتخاذ مسارات اقتصادية جديدة لبناء نوع من العلاقات الاقتصادية المتميزة مع الأردن ومصر، وتمكن هنا ملاحظة أهمية القرار الذي اتخذه الكاظمي بإعادة إحياء مشروع ميناء الفاو الذي كثر الجدال حوله لاسيما بعد بروز إشارات عن تدخل بعض الأطراف المحسوبة على نظام الولي الفقيه في آليات تنفيذه من عدمه.

ويمكن تفسير المنحى الذي سلكه الكاظمي من زاوية أنه يريد أن يثبت لمتهميه بأنه صاحب القرار، وأنه قادر على أن يحقق الكثير من المنجزات عبر الجهد الدبلوماسي العراقي من زيارات واجتماعات يمكن أن تعيد المكانة المستحقة للعراق ودوره الطبيعي إقليمياً ودولياً، شجعه في ذلك ما يمكن أن تقدمه له الدول العربية التي تجد من مصلحتها ابتعاد العراق عن حضن النظام الإيراني.

كان قرار الكاظمي إيجابيا في إعادة الحياة للمشروع ليس لأسباب اقتصادية، بل لأنه رسالة إلى كل من يتهم الكاظمي بالضعف والانحناء الدائم للرياح الفارسية، فهو رسالة بأنه صاحب القرار وقادر على أن يحرك دفة حكومته بالاتجاه الذي يخدم العراق ومصلحته، كما عبّر أستاذ إعلام عراقي مرموق.

في المقابل، هناك من يرى أن إعلان الكاظمي عن البدء في تنفيذ المشروع لا يعدو أن يكون استعراض عضلات إعلامية، كونه ركب الصعاب وتحدى الأمواج وراح يضع حجر الأساس لهذا المشروع الأكثر تعقيداً، في وقت لم يبق على انتهاء ولايته سوى ثمانية أشهر، الله أعلم ما الذي سيحصل بعدها.

يقول الكاتب والمحلل السياسي والدبلوماسي السابق طلال بركات “إن الكاظمي من الضعف بحيث لم يستطع ردع عدد من السيارات التي تحمل شباباً مغرّراً بهم من الطواف حول مقر رئاسته، فكيف يستطيع كبح جماح أحزاب وقوى متنفذة تتصارع على لقمة الصياد، مما يؤكد أن مسرحية وضع حجر الأساس ليست إلا جعجعة إعلامية لذر الرماد في العيون”.

كثير من المراقبين وقفوا مشككين أمام إحالة مشروع ميناء الفاو إلى شركة كورية مغمورة، مشيرين إلى إمكانياتها المحدودة وترك الصين التي لها اتفاقية اقتصادية مع العراق وقّعها رئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي. وليس صحيحاً أن إيران كانت ترغب في إسناد تنفيذ المشروع إلى الصين، بل هي لا ترغب بإقامة الميناء أصلاً، لأنه سوف ينافس الموانئ الإيرانية، لذلك فهي ترغب فقط في إقامة الطريق البري عبر حدودها مروراً بالعراق إلى سوريا من جهة سنجار المسمّى بطريق الحرير للوصول إلى أوروبا، ما يؤكد أن وضع حجر الأساس للمشروع ليس إلا دعاية لامتصاص نقمة الشارع العراقي باستخدام وسائل دعائية سبق أن اختبرها، والتي صرفت عليها أموال طائلة خلال السنين الماضية، ولم يشهد أحد افتتاح مدرسة جديدة للأطفال فهل يعقل أنهم حريصون على إنجاز مثل هذا المشروع العملاق؟

لعل كلمة الانهيار العام الذي يعانيه العراق كله، وخصوصاً البصرة، تنصرف إلى السنوات الخمس الأولى من الاحتلال، فيما شهدت بلاد الرافدين انعداماً شبه كلي للخدمات الأساس في السنوات اللاحقة، وبدءاً من ولاية نوري المالكي الأولى حتى ختام الثانية، ليطل المواطن على مرحلة التدمير الشامل منذ احتلال الموصل وما تلاها، وقد أخذت كل من أم الربيعين والبصرة النصيب الأعظم من الخراب.

شرعت أحزاب السلطة وميليشياتها باستحلاب البصرة منذ 2003 عن طريق سرقة النفط وتهريبه من حقولها، ولم يكتف حرامية السلطة بالملايين من الدولارات فأحكموا المنافذ الحدودية وتقاسموا مواردها وجعلوا منها مركزاً آمنا لإدخال السموم البيضاء من إيران.

الصفحة الأخرى لأحزاب السلطة وقواتها هي الصفحة الحمراء التي تبدأ بالمقايضة والابتزاز وتنتهي بثلاثية “القتل والإخفاء والتعذيب”.

البصرة، كما المحافظات الأخرى تم حرمانها من الخدمات الأساسية، والبصريون أنفسهم يوجهون اتهاما غليظاً للإدارة المحلية وكذلك إلى مراكز القرار في بغداد الغارقة بالفساد المالي والإداري والأخلاقي… فمن يصدق أن مشروعاً عملاقاً كميناء الفاو يمكن تنفيذه في ظل هذه الظروف والأجواء؟