من “الشبانة” إلى “بيان البوليس”.. قصة تأسيس الشرطة العراقية

شارك
عناصر من الشرطة العراقية.. أرشيفية
عناصر من الشرطة العراقية.. أرشيفية

في 9 يناير من كل عام، تحتفل الشرطة العراقية بذكرى تأسيسها. وبالرغم من أن العراق عرف ظهور أجهزة الشرطة منذ زمن طويل، يعود إلى العصر العباسي، إلا أن يوم الـ9 من يناير 1922 كان شاهداً على تتويج جهود التأسيس النظامي التي بُذلت خلال العهدين العثماني والبريطاني، ليشهد ظهور جهاز الشرطة بشكله الحديث تزامناً مع الإعلان عن قيام الملكية في العراق.

زمن العثمانيين.. حجر الأساس

بحسب كتاب “دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960″، فإنه خلال العهد العثماني أنيطت واجبات الشُرطة إلى جماعة الإنكشارية. وإثر تعاظم قوة الإنكشارية وتحدّيهم لسُلطة الخلفاء، أُلغيت تلك القوة في الولايات العثمانية -ومنها العراق-، وشكلت بدلاً منها قوة عسكرية داخلية سُميت بـ”البوليس”.

مع قُرب نهاية الحرب العالمية الأولى، انقطع الاهتمام بقوة البوليس العثمانية في العراق حتى باتت عاجزة عن أداء مهامها. يقول راسم الجميلي في كتابه “البغداديون”، إنها أصبحت “قوات منحطة لا نظام لها، يديرها ضباط أميون متفسخو السيرة، وأناس حثالات غير مجهزين، ولا تدفع لهم الرواتب”. نتيجة لهذه المشاكل عجز أفرادها عن القيام بواجباتهم، إذ كانوا “ضعفاء، لا قُدرة لهم على مطاردة اللصوص”.

العهد البريطاني.. التأسيس الرسمي

وفقاً لما أورده عدنان الشجيري في بحثه “التنظيمات الإدارية الأساسية في عهد حكومة العراق المؤقتة 1920-1921م”، فإنه بعد انسحاب العثمانيين واحتلال البريطانيين للعراق عام 1917، تحتّم على الإنكليز إقامة نظام إداري جديد لحُكم البلاد وتنظيم شؤون السكان.

تطوّر هذا النظام الإداري تدريجياً؛ فبعدما أقيمت إدارة موحدة لبغداد والبصرة عام 1918 وانضمت إليها الموصل بعدها عام، تشكلت تلك الإدارة من حكومة مصغرة ترأّسها الحاكم البريطاني الذي قاد عدة مديريات -أشبه بالوزرات- تولت إدارة شؤون الدولة.

الدائرة الأهم في هذه المديريات كانت دائرة الحاكم المدني العام، التي ترأّسها الحاكم السير آرنولد ولسن، الذي حكم العراق من 1918 وحتى 1920. تولّت هذه الدائرة رسم السياسة العامة للاحتلال البريطاني في العراق، وأشرفت على ما سُمي وقتها بـ”مفتشية الشرطة” و”قوات الشبانة”.

تألفت مفتشية الشرطة في شكلها الأول من مقرِّ قيادة عام ترَأَّسَه مفتش الشرطة العقيد كريسكون، والذي خضعت له عدة مديريات أمنية في بغداد والبصرة وسامراء وكركوك والموصل.

تقول عالمة الآثار البريطانية غيرترود بيل، في كتابها “تاريخ العراق القريب”، إن الإنكليز في بداية حُكمهم للعراق واجهوا معضلة في توفير أعدادٍ كافية من العرب لاستخدامهم كضباط. فبعد رحيل الأتراك، جرى الاستعانة بعددٍ من الضباط المصريين إلا أنهم اتهموا بالخشونة فجرى التخلص منهم. لذلك تم الاعتماد على ضباطٍ هنود فيما سيطر الإنكليز على جميع المناصب العُليا في الشرطة العراقية.

وكذلك أنشأ الإنكليز فرقة “الشبانة”، وهي قوة شرطية غير نظامية تشكّلت من أبناء العشائر للمساعدة في تنفيذ بعض المهام العسكرية والإدارية، على أن تكون نواة لإنشاء جيش عراقي مستقل في المستقبل، بلغ عددهم عام 1918 قرابة 2000 رجل.

يقول أياد الدليمي، في بحثه “مدينة بغداد في ظل الاحتلال البريطاني (1917-1921)”، إن أغلب العراقيين اتخذوا موقفًا سلبًا من أفراد “الشبانة”، بسبب نظرتهم السلبية تجاه كل عراقي يقبل التعاون مع البريطانيين، فكانوا يلعنونهم في الشوارع، ولا يقدّمون لهم القهوة في المقاهي ويكسرون الأواني التي يأكلون فيها.

عقب إصدار مؤتمر الصلح في باريس قرارات الانتداب، اكتسب الوجود البريطاني في العراق “شرعية دولية”، إذ كُلفت إنجلترا رسمياً “بتطوير” الدول الخاضعة لسيطرتها حتى “تتمكن من حُكم نفسها بنفسها”!

لم يعنِ هذا القرار تغيير الكثير في بنية الحُكم الإنكليزية في العراق، إذ إن لندن كانت قد أسّست بالفعل مؤسساتها الإدارية التي سيطرت بها على مفاصل الدولة. فقط، أعلنت بريطانيا في سبتمبر 1920 تعيين السير برسي كوكس مندوباً سامياً وأوكلت له مهمة تشكيل حكومة تتولّى مسؤولية الأمن الداخلي والخارجي.

تحت إشراف السير كوكس، صدر قرار رقم 72 لسنة 1920، الذي عُرف لاحقاً بـ”بيان البوليس”، حدّد – بشكلٍ مفصّل ولأول مرة- واجبات الشرطة في العراق، ووضع أُسس تنظيماتها الإدارية والانضباطية.

يقول عدنان هرير الشجيري، في رسالته “النظام الاداري في العراق 1920 ــ 1939″، إن البريطانيين اهتموا بإنشاء جهاز شرطة قوي في العراق حتى يكون بديلاً عن إنشاء جيش قوي، قد يُهدد الوجود البريطاني بالعراق في المستقبل.

وبدعمٍ بريطاني، خرجت إلى النور أول حكومة عراقية في العصر الحديث، بقيادة عبدالرحمن النقيب، الذي شكّل حكومة تكوّنت من 12 وزيراً، عُيّن لكل واحدٍ منهم مستشار بريطاني وفقاً لبروتوكول تعاون وقّعه النقيب مع السير كوكس.

في هذه الحكومة، ظهرت وزارة الداخلية العراقية للمرة الأولى وشمل عملها الإشراف على قطاعات الشرطة والبضائع الواردة من الخارج والسجون وكذلك الطباعة والنشر، فيما نُقلت “الشبانة” إلى اختصاصات وزارة الدفاع.

كُلِّف بالإشراف على وزارة الداخلية السياسي العراقي ذي الأصول الهاشمية طالب النقيب، وبهذا أصبح أول وزير داخلية في تاريخ العراق.

وعقب الإعلان عن قيام الحكومة، أصبحت وزارة الداخلية مُشرفة على “مفتشية الشرطة”، التي كان يقودها العقيد بريسكوت، وتألّفت من العديد من الدوائر التنفيذية في بغداد والكوت وديالى والحلة وسامراء، كما ضمّت مديرية التحريات ومدرسة الشرطة ومديرية شرطة  السكك.

وبحسب بحث الشجيري، فإن وزارة الداخلية استعانت بالعديد من الأجانب في تسيير أعمالها. وفي عام 1921 ضمّ تشكيل موظفيها 74 بريطانيّاً و150 هندياً و9 مصريين و3 أرمنيين و4 إيرانيين.

نشأة الشرطة العراقية

يقول ﻭﺠﻴﻪ  يونس وﺇﺴﻤﺎﻋﻴل ﺍﻟﺭﺍﺸﺩ، في كتابهما “المحيط في تشكيلات الشرطة العراقية وإدارتها وتنظيمها”، إنه عقب تأليف الحكومة أصدرت وزارة الداخلية أمراً بتأسيس قوة الشرطة في 9 يناير عام 1922، وتشكّلت من 3 آلاف فرد من المشاة والخيالة والهجانة، وضابطين عراقيين، و22 ضابطاً بريطانيّاً و71 موظفاً بريطانيّاً يقومون بأعمال إدارية.

تعاوَن العراقيون والبريطانيون في إدارة جهاز الشرطة حتى عام 1927 حين بدأت تُنقل المهام الإدارية والتنفيذية إلى الضباط العراقيين. وعقب عقد معاهدة 1930 بين العراق وبريطانيا، أصبحت الحكومة العراقية هي المسؤول الرئيسي عن الأمن الداخلي في البلاد. بناءً على ذلك، انتقلت المسؤولية التنفيذية إلى الضباط العراقيين وبقي عدد محدود من الضباط البريطانيين انحصرت أدوارهم في الأعمال الاستشارية والتفتيشية.

سيدات الجيش العراقي.. من الرفض المجتمعي إلى القبول

دخلت المرأة العراقية إلى المؤسسة العسكرية من باب الطبابة والتمريض في ستينات القرن الماضي، ثم سمح لها القانون عام 1977 بتبوء منصب ضابط والتدرج في الرتب العسكرية أسوة بالرجال. لكن هذا لم يحصل عمليا إلا مؤخرا، حين تم الإعلان عن حصول أول عراقية على رتبة عميد ركن من كلية الأركان.

ظلَّت بنود “بيان البوليس” الإنكليزي تحكم عمل الشرطة العراقية حتى صدر القانون الخاص بخدمة الشرطة رقم 7 لسنة 1941م، بعدما اعتبرت الحكومة أن “بيان البوليس فيه نواقص كثيرة، لذا أعدّت قانوناً خاصُا شاملاً يتعلق بمسلك الشرطة”، بحسب البيان الذي قدّمته الحكومة حينها لمجلس الأمة لتبرير رغبتها في إلغاء العمل بـ”بيان البوليس” بعد 20 عاماً من استخدامه.

وبدءاً من عام 1931 سعى جهاز الشُرطة إلى توفير الأعداد الكافية من الضباط المؤهلين فعقد دورات تدريبية التحق بها طلبة الحقوق والمدرسة العسكرية التي أقيمت خصيصاً لإعداد ضباط الجيش.

بهذه الطريقة تزوّد جهاز الشرطة بما يحتاجه من ضباط، أعقب ذلك إيفاد عددٍ من الضباط إلى بريطانيا لتلقي المزيد من التدريبات الفنية والتقنية هناك كي ينقلوها إلى زملائهم لاحقاً، ويكونون النواة التي سيُقام عليها جهاز الشرطة العراقي في السنوات التالية.