ملابس داخلية!    قصة قصيرة 

شارك

   إبراهيم أحمد

كنا خمسة طلاب في الجامعة أفلحنا بعد بحث طويل في الحصول على شقة في حي متوسط الحال من بغداد  بإيجار مناسب!  كانت تسكن جوارنا في بيت مستقل امرأة جميلة تخطر بين وقت وآخر على السطح بثوب البيت كاشفا عن صدرها الناهد الوردي وكتفيها وما فوق ركبتيها حتى في عز الشتاء، فقد  كانت شمس بغداد آنذاك ثوبا كبيرا دافئا!  عرفنا أنها تعيش وحيدة واسمها ” أمريكا”!  ولم نصدق أن هذا اسمها، ولكنني أنا القادم من مدينة رأيت فيها امرأة أسمها “فرنسا” وأخرى اسمها “ألمانيا” كنت الأسرع تصديقا. ثم عرفنا فيما بعد أن سائق باص المصلحة الذي ينقلنا إلى الكلية في باب المعظم اسمه هتلر! كانت الحرب العالمية الثانية قد أرضعت الأطفال الذين ولدوا تحت دويها؛ أسماء الدول الكبيرة المتقاتلة وزعمائها المتهارشين كالديكة.  ليست هنا المشكلة أو المصيبة! المصيبة الكبرى أن جارتنا الجميلة،والفاتنة اللعوب كانت تنشر ملابسها الداخلية على حبال بلاستيكية ملونة أمام نافذة شقتنا! فصرنا نحدق بهم أكثر مما نحدق في صفحات كتبنا وما كانت تجف وتأتي للمها، حتى تجفف معها ريقنا وقلوبنا! وكثيراَ ما قضينا أوقاتنا الثمينة نناقش لماذا تنشر ملابسها هذه أمام نافذتنا بينما تنشر ملابسها الأخرى في الجهة المقابلة لنافذة شقة يسكنها عجوز وزوجته!  من أين تأتي بكل هذه الملابس مختلفة الألوان الرقيقة الشفافة الذي يكاد عطرها، ورائحة جسدها أيضا تصل إلينا كعاصفة تريد اقتلاعنا من أسرتنا الحديدية الصدئة! وصرنا نتبارى في وصفها أو إطلاق الأسماء عليها فأسماها أحدنا بقصائد الغزل الإباحي ترقص على الحبال! قال آخر بل هي قصائد حب عذري، صوفي  منشورة صريحة شفافة تحت السماء والشمس، ألا ترون  مسحة حزن عميق على وجه هذه المرأة لا تجدونه إلا على وجوه من عانوا الفقدان، والعزلة الموجعة؟! أيدته قائلا : فعلا والمرأة لا تزال ملتزمة حدودها معنا، ونحن كذلك! ثالثنا قال هذه الملابس الناعمة شوكولاتة هوائية تزيد بها سعراتنا الحرارية لنقرأ ونجتهد وننجح ونلقى المرأة التي نحب! آخر قال إنها رسائل نقاء و توبة وغفران وعلينا أن نصلي من أجلها ليمنحها الله جنته في الآخرة! خامسنا وكان الأكثر صمتا بيننا قال “إنها أجمل فخ في العالم! “! وهكذا كنا نهدر الكثير من وقتنا حول الملابس الداخلية لهذه المرأة التي كانت تبدو مترفعة لا مبالية ولم أرها تمنح أحدنا ابتسامة أو التفاتة! كانت هي قد تجاوزت الثلاثين في ذروة نضجها وجاذبيتها، ونحن في العشرين أو دونه أغرارا نتلمس طريق النضج حالمين متعثرين!  لم يعد بعضنا يذهب للدوام في الكلية متعذرا بالمرض قاطعا الوقت في غسل ملابسه الداخلية كثيرا، فقد  صارت تلتقط ألوان ملابس جارتنا! وأخيرا  كانت النتيجة أن اثنين منا رسبا في العام الأول، واثنين منا نجحا بدرجات عالية، وخامسنا الذي وصف حبل غسيلها بأنه “أجمل فخ في العالم” لا ندري إن كان قد نجح أم رسب فقد اختفى فجأة ولم نجد أي اثر له، ولكننا سمعنا من أقاربه أنهم  يرجحون زواجه من السيدة “أمريكا”، وهجرته معها إلى أمريكا! كانوا متألمين أنها كانت  قد تزوجت قبله عدة مرات، وإنها تكبره بسنوات كثيرة!