معرض القاهرة للكتاب يواجه فقدان بريقه الثقافي والجماهيري

شارك

أحمد جمال

صحافي مصري

مصر تخطط لتحويل المعرض من سوق لبيع الكتب إلى منصة لتنمية النشر.

الكتب موجودة لكنْ شراؤها صعب

ينعكس الوضع الاقتصادي بشكل كبير على فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يعرف تراجعا كبيرا في تأثيره وفي حركة البيع والشراء للكتب التي باتت أسعارها بعيدة عن متناول أغلب القراء، ورغم كل التحديات يحاول القائمون على المعرض إيجاد الحلول المتاحة للحفاظ على مكانة الحدث الثقافي.

القاهرة – يواجه معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الرابعة والخمسين المقرر انطلاقها في الخامس والعشرين من يناير الجاري مشكلات عديدة، بدأت تلقي بظلالها على الاستعدادات النهائية للمعرض، مع زيادة أسعار الورق والحبر واختفائهما أحيانا، بجانب تأثر صناعة النشر بالأزمات الاقتصادية المحلية والعالمية، وأوضاع القراء أنفسهم الذين ليس باستطاعة شريحة منهم اقتناء الكتب بسبب زيادة معدلات الغلاء والتضخم.

وقالت وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني في مؤتمر صحفي للإعلان عن تفاصيل المعرض، إن الحكومة تدرك جيدا حجم تأثير الوضع الاقتصادي الذي يشهده العالم، وانعكاساته على تدابير وإجراءات ترشيد النفقات، ما يدفع إلى تحول المعرض من كونه مهرجانا ثقافيا وسوقا للكتاب إلى منصة لرعاية وتنمية صناعة الثقافة وفتح الأبواب وبناء الجسور ومناقشة الهموم والمشكلات.

أشارت تصريحات وزيرة الثقافة إلى أن التعويل على المعرض كوسيلة لإنعاش صناعة النشر عبر البيع المباشر سيكون صعبا هذا العام بسبب الأزمة الاقتصادية الضاغطة، ويستهدف المعرض إجراء حوار حول كيفية التعامل مع هذه الأوضاع.

وتدخّل اتحاد الناشرين المصريين على خط الأزمة وأعلن عن مبادرة لتقسيط مشتريات الكتب عن طريق البطاقات البنكية بالاتفاق مع بعض البنوك الحكومية، في محاولة لتشجيع المواطنين على اقتناء الكتب، وقد تكون التجربة محدودة في معرض هذا العام، لكن من الممكن أن يتم التوسع فيها مستقبلا.

وأوضح رئيس اتحاد الناشرين المصريين سعيد عبده في بيان له أن الاتحاد توصل إلى اتفاق مع بنكيْ الأهلي ومصر لتوفير خاصية تقسيط مشتريات الكتب عن طريق الفيزا لمدة عام خلال الدورة الحالية من معرض القاهرة الدولي للكتاب، والتجربة ستكون قابلة للقياس في فترة المعرض وحال نجاحها سيتم تعميمها وإتاحتها بالمكتبات.

إشكاليات متعددة

 

محمد رشاد: المعرض يواجه معضلة تراكم الأزمات على دور النشر
محمد رشاد: المعرض يواجه معضلة تراكم الأزمات على دور النشر

 

وقفز سعر طن الورق في غضون ثلاثة أشهر فقط من 18 ألف جنيه (600 دولار) إلى 62 ألف جنيه (ألفا دولار)، كما تعاني دور النشر من استمرار الزيادات في أسعار الورق يوميا، فضلا عن اختفاء بعض ألوان الحبر وارتفاع أسعارها مع توقعات بزيادة أسعار الكتب بنسبة تتجاوز الضعف مقارنة بالأسعار التي كانت سائدة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابقة.

ولدى العديد من المثقفين المصريين هواجس حول إمكانية فقدان المعرض في الدورة الحالية تأثيره الثقافي، على المستويين المحلي والعربي، مع التراجع في مبيعات دور النشر خلال العامين الماضيين، في الوقت الذي تحول فيه المعرض إلى فرصة للتنزه تفسرها زيادات أعداد المقبلين عليه دون زيادة ملحوظة في حركة شراء الكتب.

وتنطلق الدورة الجديدة من معرض القاهرة الدولي للكتاب في الفترة من الخامس والعشرين من يناير الجاري حتى السادس من فبراير المقبل، وتحل المملكة الأردنية ضيف شرف، واختار المعرض الصحافي ورسام الكاريكاتير الراحل صلاح جاهين شخصية المعرض، بجانب كاتب الأطفال كامل كيلاني كشخصية معرض الطفل بوصفه رائدًا من رواد أدب الطفل في العالم العربي، ويرفع المعرض شعارا فضفاضا، هو “على اسم مصر.. معا نقرأ نفكر نبدع”.

وأكد رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد أن المعرض يواجه معضلة تراكم الأزمات على دور النشر، واستمرار الآثار السلبية التي صاحبت انتشار فايروس كورونا وبعده الحرب الروسية – الأوكرانية، حيث تسيطر تداعياتهما على سوق النشر والطباعة، ما تسبب في تراجع المبيعات إلى معدلات بنسبة تصل إلى النصف في العامين الماضيين.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “النشر العربي تراجع خلال تلك الفترة بمعدلات تتراوح بين 50 في المئة و70 في المئة، ما أثر على مستوى إتاحة الإصدارات الجديدة والاعتماد بشكل كبير على الإصدارات القديمة”.

وتتمثل الأزمة الأكبر في أن المعارض بوجه عام فرصة لشراء الكتب ودور النشر تعاني أصلا من حالة ركود لافتة، ولم تستطع جذب الجمهور إلكترونيًا، وبقيت المبيعات الرقمية عند مستوى 10 في المئة من توزيع الكتب في العامين الماضيين.

 

رضا عوض: المشكلة تكمن في تراجع قيمة الجنيه قبل زيادة أسعار الكتب
رضا عوض: المشكلة تكمن في تراجع قيمة الجنيه قبل زيادة أسعار الكتب

 

وكشف رشاد عن مبادرة أطلقها الاتحاد بمناسبة معرض القاهرة للكتاب تتضمن تقليل هوامش أرباح دور النشر المشتركة في الاتحاد لصالح زيادة نسب الخصومات على الكتب المعروضة واستخدام أساليب تسويقية لزائري المعرض عبر توزيع “كوبونات” تمنحهم الكتب بخصومات إضافية، وهناك رهان على أن يُنقذ زائرو المعرض صناعة النشر، وإن كان ذلك من خلال اقتناء نصف حصيلتهم من الكتب.

وتزايدت وتيرة النقاش بين المثقفين المصريين في الأيام الماضية حول السبل المثلى لدعم المعرض، وتشجيع دور النشر على تقديم خصومات كبيرة تسهم في تحريك عجلة الشراء، كما تعالت الأصوات المنادية بتحمل وزارة الثقافة القيمة الإيجارية المخصصة لدور النشر في المعرض أو تخفيضها أسوة بعدد من المعارض العربية.

وطالب الكاتب هاني لبيب في مقال نشره بصحيفة “المصري اليوم” بإعادة النظر في الاستفادة من ملايين الكتب الموجودة في مخازن الهيئة العامة للكتاب وجرت طباعتها في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وإعادة تسعيرها والاستفادة منها قبل أن تتعرض للتلف، مع توظيف العوائد في خفض القيمة الإيجارية للناشرين بالمعرض.

وشدد على ضرورة تفعيل منصة البيع الإلكتروني لتتحول إلى وسيلة للدعاية والإعلان واستقطاب الرعاة لتعويض العجز المادي وتجاوزه، وجذب الرعاة والناشرين بإتاحة العديد من الجوائز أو تقديم عروض قيّمة لبيع المزيد من الكتب.

هذا علاوة على تقليل كلفة المعرض عبر التحفيز على توقيع عقود الرعاية السنوية من خلال خطة الدعاية، وإعادة قيمة جوائز المعرض ومكانتها التي كانت محط اهتمام الجميع قبل أن تتراجع لصالح جوائز تقدمها دول أخرى.

تخفيف الضغوط

 

دعم متواصل لدور العرض 

 

قررت وزارة الثقافة المصرية زيادة القيمة الإيجارية لأجنحة المعرض بنسبة 5 في المئة عن العام الماضي، وتعتبر الزيادة الطفيفة دعمًا لدور النشر المختلفة، ووافقت إدارة المعرض على مشاركة جميع دور النشر التي تقدمت بالمشاركة وغابت قوائم الانتظار التي كانت سمة سائدة في الدورات السابقة، لكن ذلك برهن على غياب العديد من دور النشر الكبيرة أو تقليص المساحات التي تحصل عليها.

وحسب ما أكدته وزيرة الثقافة المصرية نفين الكيلاني تريد الحكومة الحفاظ على مكانة المعرض وسط التحديات المتعاظمة التي يشهدها العالم، كواجهة للهوية وجزء أصيل من الشخصية المصرية، ولذلك كان الحرص هذا العام على تنظيم المعرض بلا زيادات كبيرة في أسعار الأجنحة على الناشرين.

◙ أسعار الكتب هذا العام تفوق كثيرا القدرة الشرائية للمواطن المصري مع زيادة معدلات التضخم وثبات الدخل المادي،

وذكر صاحب دار رؤية للطباعة والنشر رضا عوض لـ”العرب” أن “دور النشر تعايشت مع الأوضاع الاقتصادية الراهنة والظروف المتاحة أمامها، والتأثير الأكبر سينصب على دور النشر التي تعتمد فقط على الإصدارات المصرية، لكن الدُّور التي يأتي إليها القراء العرب وتجذب القارئ غير المصري بوجه عام لن تتأثر كثيرا، لأن المشكلة تكمن في تراجع قيمة الجنيه قبل زيادة أسعار الكتب”.

وشدد على أن أسعار الكتب هذا العام تفوق كثيرا القدرة الشرائية للمواطن المصري مع زيادة معدلات التضخم وثبات الدخل المادي، ما يؤدي إلى تراجع عملية الشراء، وإن كان التعويل على الزخم الذي يخلقه معرض الكتاب بجذبه الملايين من المواطنين وارتباط القراء بالكتاب ومساهماتهم السابقة في دعم حركة النشر المصرية.

وجذب معرض الكتاب المصري في العام الماضي نحو مليوني زائر، وبلغ عدد الجولات الافتراضية للمعرض أكثر من 102 ألف جولة، كما بلغ عدد مشاهدات الكتب على المنصة الرئيسية للهيئات ودور النشر المشاركة في المعرض 2.5 مليون مشاهدة.

ولفت عوض إلى أن الأزمة بحاجة إلى تكاتف الهيئات الحكومية لإنشاء مصانع للورق يتم دعمها لتخفيف الضغوط عن دور النشر، بما يساعد على زيادة فرص منافسة النشر العربي عالميًا، ويشجع على خلق أجيال صاعدة أكثر اهتماماً بالمعرفة.