العراق: المنطقة الخضراء على صفيح ساخن

شارك

داود الفرحان

كاتب عراقي

هذه ليست المرة الأولى التي تقتحم فيها بعض فصائل «الحشد الشعبي» المنطقة الخضراء في بغداد وتحاصر مقر الحكومة العراقية، فقد تكرر ذلك المشهد عدة مرات في فترة ولاية رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، كما حدث ذلك خلال فترة رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي، ولم تحدث مواجهات مسلحة في هذه الاقتحامات، فقد تجنب الطرفان التصعيد لسببين: الأول، في عهد عادل عبد المهدي، خشية تدخل القوات الأميركية في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب للإطاحة بهما والعودة إلى نقطة الصفر. والثاني في عهد مصطفى الكاظمي الحالي مخافة أن تفلت الأمور من الجانبين لصالح من يفكر بتنفيذ انقلاب عسكري سواء من القيادات العسكرية والأمنية، أو الميليشيات الموالية لإيران في إطار «الحشد الشعبي» أو خارجه.
كما أنها ليست المرة الأولى التي تتولى فيها القوات العسكرية والأمنية العراقية اعتقال مجموعات أو أفراد من «الحشد الشعبي» أو الميليشيات المنفصلة بتهم مختلفة مثل قصف السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، أو القواعد الأميركية في وسط وغرب وشمال العراق، ثم يجري إطلاق سراح المعتقلين من دون شرط ولا تحقيق. حدث ذلك في عهد قائد «فيلق القدس» الإيراني السابق قاسم سليماني الذي لقي حتفه قبل عام ونصف في عملية اغتيال جوي استهدفت سيارته قرب مطار بغداد الدولي، وتكرر بعد رحيل سليماني حين تم اعتقال خلايا ميليشياوية موالية لإيران بالجرم المشهود، وهي تقصف من أحد أطراف بغداد السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء أو قاعدة أميركية في مطار بغداد الدولي أو شمال بغداد، في قاعدة بلد الجوية أو مواقع أخرى. وفي معظم الأحوال كانت الصواريخ تُخطئ أهدافها وتسقط فوق دور سكنية أو حقول زراعية، ما يؤكد تردي التدريبات وعدم خبرة العناصر المنفذة.
وما يلفت انتباه المراقبين العسكريين أن «الحشد الشعبي» الذي تشكل من ميليشيات منفصلة أو مستقلة موالية لـ«الحرس الثوري» الإيراني – «فيلق القدس» لمقاومة تنظيم داعش، ما لبث أن أصبح جيشاً موازياً للجيش العراقي الرسمي، أو أقوى منه، سواء في تنظيماته القتالية أو الأمنية أو الاستخبارية أو التسليحية أو موارده المالية، ووصل تعداد أفراده إلى أكثر من مليون شخص بينهم 200 ألف عنصر «فضائي»، أي لا وجود لهم عملياً وإنما مجرد أسماء وهمية على الورق يتسلم رواتبهم من يتسلم في عمليات فساد مكشوفة. بل إن سيارات ومركبات هذه الميليشيات تحمل أرقاماً مع اسم الميليشيا، كما نرى في السيارات المدنية حيث رقم السيارة واسم المحافظة! أمر عجيب وغريب ولا وجود له حتى في إيران نفسها أو الميليشيات الأفريقية أو الأمازونية أو الأفغانية.
في الفترة القريبة الماضية أجرى مصطفى الكاظمي تغييرات هادئة في القيادات العسكرية والأمنية. وذكر أحد تقارير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن الكاظمي يريد أن يعتمد على القيادات الجديدة في أجندته التي تشمل، كما قال، إجراء انتخابات نزيهة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وتأمين المنافذ الحدودية التي تسيطر عليها الميليشيات وتلتهم معظم مواردها المالية التي تقدر بمليارات الدولارات، وخصوصاً في البصرة جنوب العراق على شط العرب، وفي المياه الإقليمية العراقية على الساحل الشمالي للخليج العربي، حيث يتم تصدير النفط العراقي المهرب يومياً خارج حصص منظمة أوبك.

وشملت التغييرات مستشارية الأمن الوطني، وقيادة العمليات الوطنية التي تتمتع بدرجة عالية من الأمن العملياتي والسري، وجهاز المخابرات، وقيادة الدفاع الجوي، وجهاز مكافحة الإرهاب. وليس عن طريق الصدفة أن عدداً مختاراً من كبار ضباط هذا الجهاز كان يعمل في قوات الدفاع الجوي العراقية قبل احتلال العراق في عام 2003، كما جرت تغييرات حساسة في القوات الخاصة للمنطقة الخضراء التي تشمل مقار مجلس الوزراء ومجلس النواب والسفارتين الأميركية والبريطانية، وعلى مقربة منهما السفارة الإيرانية.
ومن أهم التغييرات حلّ «قوة إنفاذ القانون» وهي وحدة شرطة شبه عسكرية تم اختراقها من قبل الميليشيات التي استخدمتها في عام 2019 في قمع المحتجين من الشباب في بغداد. وفي إجراءات حساسة تم إحداث تغييرات عسكرية وأمنية واسعة في قيادة عمليات البصرة جنوب البلاد، وقام الكاظمي بنفسه بزيارة القيادة الجديدة وخصص لواء المغاوير الثالث في الجيش العراقي لدعم عملياته. كما عين قائد شرطة جديداً لمحافظة البصرة بعد إقالة قائدها السابق لمسؤوليته عن جرائم اغتيالات وانفلات أمني متكرر في المحافظة. وحدث الأمر ذاته في محافظة ديالى المتاخمة للحدود الإيرانية حيث أنيطت قيادة عمليات المحافظة بقائد عسكري برتبة لواء ركن من الجيش الوطني السابق. وتولى قائد الشرطة السابق في محافظة صلاح الدين قيادة عمليات الأنبار المحاذية للحدود السورية والسعودية.
بهذه القرارات الهيكلية المؤثرة ضَمِنَ الكاظمي حماية ظهره داخل المنطقة الخضراء بالغة التحصين في النظامين العراقيين السابق والحالي، بالإضافة إلى فترة بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق في بداية الاحتلال. وبهذه التغييرات الأمنية استطاع الكاظمي أن يقول (لا) لمن طالبه من الميليشيات والأحزاب الحاكمة بإطلاق سراح القائد الميليشياوي قاسم مصلح المتهم باغتيال ناشطين عراقيين من مدينة كربلاء. وتعود أهمية قاسم مصلح إلى كونه يتولى قيادة الحشد في محافظة الأنبار عند الحدود العراقية مع سوريا والأردن، وتهريب الأسلحة والشاحنات التجارية الإيرانية عبر الحدود العراقية إلى سوريا.
في الحقيقة لم يكن أمام الكاظمي، والبلد على أعتاب انتخابات نيابية مبكرة أي خيار غير هذا، إذا ما أراد أن يؤكد للجميع أن كلمته نافذة ليس في المنطقة الخضراء وحدها، وإنما في العراق كله باعتباره رئيساً للوزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة، ومن ضمنها «الحشد الشعبي». وهو بهذا الإجراء يستطيع أن يخطو خطوات أوسع على طريق السيطرة على انفلات الميليشيات وحصر السلاح بيد الأجهزة الحكومية من جيش وشرطة وعناوين أخرى.
وتسربت معلومات متداولة عن محاولات فاشلة للسفارة الإيرانية في بغداد لحصر التحقيق مع قاسم مصلح بالأجهزة الأمنية التابعة لـ«الحشد الشعبي»، إلا أن الكاظمي لم يتراجع عن موقفه الذي جعل بغداد تعيش ليلتين ساخنتين لم يسبق لهما مثيل إلا عند مصرع قاسم سليماني.
وتناقل المتعاملون مع وسائل الاتصال تسجيلاً لأحد قادة «الحشد الشعبي» استنكر فيه اعتقال قاسم مصلح، وفي تصريح آخر لقائد «تحالف الفتح» الحشدي هادي العامري قال إن «مهابة الدولة العراقية من مهابة الحشد»، وليس العكس!
وحتى الآن يبدو الكاظمي محاطاً بتأييد شعبي واسع، خصوصاً من قبل شباب الاحتجاجات الذين طالبوا بمحاكمة جميع المسؤولين عن اختطاف أو اغتيال الناشطين في المحافظات العراقية، والتزم قادة الميليشيات بعدم إطلاق تصريحات معادية لمصطفى الكاظمي أو المطالبة بإطلاق سراح المتهم. الموقف العام لم يُحسم بعد والأبواب الدوارة مفتوحة أمام من يهمه الأمر.