في الذكرى الـ٣٠ لرحيله غائب طعمة فرمان وذكرى مقال

شارك

سعد هادي

في عام 1992، وبعد شهور على رحيل “غائب طعمة فرمان” الأبدي، زرت محلته القديمة “المربعة” التي سكنها حين كان في بغداد، كما زرت البيت الذي كان يعيش فيه وجلست لدقائق في ما كانت يوماً ما غرفته، تعرفت أيضاً على شقيقيه: علي وسلمان، وكلاهما أصغر منه، وقد حدثاني بما تبقى في ذاكرتيهما عنه، ولوقتٍ قصيرٍ كنت بين بقايا العالم الحقيقي الذي جمع غائب شظاياه، ليكوِّن منها نسيج روايته الكبيرة: النخلة والجيران، ثم ليكوِّن منها في مرحلة تالية رواياته الأخرى التي تشكل عالمه المتخيل أو “يوتوبياه” الروحية ذات الفصول المتعددة، وكانت للنخلة التي قيل لي إنها قطعت منذ زمن بعيد مثل نخلات كثيرة في بلاد الحزن الأبدي، ظلال لا مرئية في الزقاق المؤدي الى البيت، لقد حاولت أن أقارن بين مكونات ومظاهر وأشكال الزقاق الحقيقي أو بالأحرى صورته الراهنة وبين زقاق آخر خيالي، تجسَّد على الورق، ليتحول مع مرور السنوات ومع عمليات التحول المستمر في معمار المدينة وتكوينها المادي وبناها الإجتماعية والروحية الى أشكال نقيضة أو الى أطلال لذكرياتٍ ومشاهد لا يمكن إستعادتها، وظلت تلك المحاولة تراودني وأنا أكتب مقالاً يستند الى المادة المثيرة التي حصلت عليها: ذكريات ووثائق ومشاهدات ورسالة بخط يده وأفكار أو أشباه أفكار عن العمل الأدبي وجدواه وأصوله وصيرورته الأولى، لم يكن موضوعاً بل كان تجربة في الرؤية واستعادة الماضي وإعادة صياغته بطريقتي الخاصة، أردت أن أعيد ما رآه غائب أو ما تأمل من خلاله، أو ما ساهم مكانياً في تشكيل وعيه، كما حاولت أن أستعيد بعضاً من ملامح صورة الروائي شاباً.
عدت الى الزقاق وحيداً لمراتٍ عدة فيما بعد، لأسباب مختلفة، ليس من بينها أنه زقاق فريد فأشكال بيوته وطرازها المعماري، تتكرر الى ما لا نهاية في الجزء القديم من بغداد، وليس لأنني كنت أبحث عن ملامح الوجوه التي تجسَّدت على صفحات رواياته، أو تكررت بسماتها من رواية الى أخرى، ولا لأني كنت أعاني من نوستالجيا أحاول علاجها أو البحث عن أسبابها، بل لقد كنت أمتثل لإرادة حلمٍ مر بي في تلك الأيام وظلت تفاصيله تلاحقني، وما زلت أشعر بحزن عميق كلما تذكرت تلك التفاصيل أو استعدتها عرضاً: كنت أجلس في غرفة غائب أو غرفة شبيهة بها، وكانت هناك كوة في السقف يتساقط التراب منها وفي جانب من الغرفة هناك خزانة كتب وأريكة ومرآة كبيرة معلقة على الحائط، وكانت الكاتبة الراحلة “حياة شرارة” تجلس على الأريكة وفي يدها أوراق تعيد قراءتها، كانت الأوراق تتساقط من يدها وتختلط بالتراب، الغرفة شبه مظلمة وليس فيها سوى فانوس يُصدر ضوءاً شاحباً، بعد قليل دخل غائب الى الغرفة وتبعه رجل عجوز وخرجا بدون أن يقولا أي كلام، نهضت أنا من مكاني وقد كنت أجلس على الأرض ولحقت بغائب ولكنه كان قد اختفى، خرجت من البيت وسرت في الزقاق وحيداً فلم أجد أحداً أيضاً، كانت أبواب البيوت والمحلات مغلقة وهناك ركام من التراب يزداد ارتفاعاً ويسد الطريق أمامي، ثم لا شيء بعد ذلك، تلك هي تفاصيل الحلم بإيجاز، حلم حزين، بدرجة لا يمكن وصفها ولا سردها ولا تدوينها على الورق، ربما كان الحزن نبوءة بشكل ما بالموت المفجع للكاتبة “حياة شرارة” التي انتحرت لاحقاً- 1997، أو كان نتاج اقتران بين ميتتين مأساويتين، إحداهما حدثت فعلاً والأخرى على وشك الحدوث، أو لعله “أي ذلك الحزن” كان اختزالاً لحزنٍ جماعي غلَّف حيواتنا في تلك السنوات.
لم يقيض للموضوع أن ينشر بسبب فقرة فيه تشير إلى ما فعلته العائلة بكتب غائب بعد شباط 1963 “في طقس فولكلوري ظلَّ يتكرر في تاريخنا السياسي والإجتماعي”، إذ دفنت تلك الكتب على عجل وبدون انتباه لمحتوياتها، بل لأنها كتب ليس إلا، دفنت مثل أجساد حية وضاعت آثارها، وستظل ضائعة الى الأبد، أما الموضوع فقد ظلَّ بين أوراقي لأشهر ثم أخذه صديق مني وسافر، ولم أعرف مصير الموضوع ولا مصير صديقي.
سأذكر هنا أنني رأيت غائب طعمة فرمان مرة واحدة فقط، وقد حدث ذلك بصدفة فريدة، كان قد عاد الى بغداد في شتاء عام 1974 ليشارك في مهرجان المربد أو ليحضر بعض جلساته، وفي ليلة من ليالي مدينته الألفية الأثيرة، دخل إلى قاعة اتحاد الأدباء وجلس على مائدة مجاورة، وسط مجموعة من أصدقائه، كانت هيئته تناقض ما كان لدي من انطباعات عنه: كنت أتصوره طويلاً فإذا به قصير ونحيف، وكنت أتصوره مثالاً نمطياً للشخصية البغدادية: بتدفقها وطلاقتها فإذا به صامت أو هكذا رأيته طوال الجلسة ولم تكن تفصلني عنه سوى خطوتين، يوجز ما يقول بصوت خافت وعبارات حذرة، بدأت تتلعثم تدريجياً مع تلاحق الكؤوس التي تجرعها بسرعة.
كنت قرأت آنذاك روايتيه: “النخلة والجيران” و”خمسة أصوات” واكتشفت عبر القراءة عالماً أعرفه جيداً ولكن لا أحد اقترب منه أو حاول إعادة تأليفه على الورق، ظلَّ عالماً مجهولاً وسيظل هكذا لزمن طويل، وبعد شهور ومع صدور روايتيه “المخاض” و”القربان” صرت أعتقد أن العالم الروائي الذي فتح غالب أبوابه هو عالم متعدد السبل والإتجاهات والوجوه وإن الرحلة إليه قد تبدأ ولكنها لا تنتهي، كان عالماً سحرياً بالقدر نفسه الذي كان فيه عالماً واقعياً، يختار الروائي عناصر مادته من الحياة ومن مظاهرها وإشكالاتها وطبقاتها الروحية والمعرفية المتتالية، ولكنه لا يعيدها إلى ذلك العالم، ورحت أقارن بين فرمان وكتّاب أعرفهم، فتيقنت وما زلت على ذلك اليقين: أن روايته “النخلة والجيران” هي من بين أجمل ما قرأت عراقياً وأنها رائعة لا تتكرر وقد لا توجد في أدبنا كله رواية تقترب منها، أما حين قرأت روايته الأخيرة “المركب” في فترة لاحقة، وقد كانت الخاتمة لمشروعه الروائي، فقد أعدت في ضوء القراءة تأمل عناصر تجربته والتعرف عليها من زوايا جديدة، إضافة الى المقارنة بين شطحات البداية والنزوع الى المغامرة والاكتشاف وبين الرؤية الناضجة والحرفية والإحاطة بمشكلات الواقع العراقي والتي لم يكن غائب قد عرفها عن قرب “وهو البعيد في منفاه الموسكوفي لثلاثة عقود متتالية”، ثم في إيجاد البنية الروائية المقنعة القادرة على احتواء تلك المشكلات وإعادة إنتاجها فنياً، لذا ستظل “المركب” لغزاً بالنسبة لي وسيظل بناؤها وشخصياتها ونسيج العلاقات فيها بل وأيضاً رمزيتها، جزءاً من أسرار غائب كاتباً روائياً وهي أي “الرواية” دليل على تمثله الدائم للروح العراقية وقدرته في التعبير عنها، ولولا “النخلة والجيران” لاعتبرت “المركب” بلا تردد من أهم أعماله وأكثرها جرأة واكتمالاً في الرؤية والبناء، إنها شهادة من كاتب بعيد، حالم، تأمَّل طويلاً في موضوعٍ يعرفه ووصل الى أعماقه ثم عاد ليضع أمامنا ما قبضت عليه أصابعه من تلك الأعماق، وهي “أي المركب” خاتمة فريدة لمشروعه الروائي وخلاصة لتجربته الطويلة في الكتابة التي بدأها منذ أواخر الأربعينيات إلى جانب كونها علامة متميزة في الرواية العربية التي جعلت من غائب أحد أساطينها.
إن ما يشدني الى غائب وربما هو أيضاً ما يشد الكثير من قرائه هو روحه العراقية التي تتوارى خلف كل جملة من جمله، ثم حسه الإنساني العالي، وكذلك حياديته كروائي إذ لا يكاد يظهر إلا بشكل عابر في نصوصه، تاركاً الحلول الأساسية في أيادي شخصياته أو مخلوقاته الروائية، كما يشدني إليه أيضاً تأمله في المأساة العراقية ذات الأوجه المتعددة وسعيه لإعادة تمثيل فصول تلك المأساة على الورق، وهي المأساة نفسها التي قتلته حزناً في 17 آب عام 1990، حين بدأ نشيج أمنا الرؤوم، الحرب، يتصاعد ليوقظ كائنات العالم السفلي من رقادها، وليدخل العراق منذ ذلك الحين في متاهة ما زال يدور فيها، حتى لتبدو عملية خروجه منها محض وهم.