في الذكرى الخامسة لرحيل زاجل الطيور الطايرة 

شارك

سلام مسافر

برحيله الفاجع أجهز زهير الدجيلي على آخر ما تبقى في الذاكرة من غنج يليق بالعراق؛؛
الأزقة والدرابين،الملفعات، والسافرات،وقحات الجمال،خجلات المحيا.الإذاعة والتلفزيونالمباني، والأستوديوهات ، المجلة ؛؛ رياض قاسم وحسين الحسيني واعتقال الطائي وسهيل سامي نادر ومهدي المصور ومريم السناطي ورياض عبد الكريم وفالح عبد الجبار وبسام فرج ومؤيد نعمة ويحي الشيخ وصبري الربيعي وجاسم المطير والفراش حميد ” ابو تفلة” وسيروان وأديب مكي ووو ….
و140 صحفيا قال (ابو عليأنهم مروا بين يديه، مثل آلاف الأبيات الشعرية؛ ومئات القصائد المغناة التي ما تزال الملايين في العراق وخارجه تترنم بها، و لا تعرف ان مؤلفها زهير الدجيلي كان يهدي المغنين والملحنيين ليس الكلمات والأبيات فقط بل واللحن لان شعره المموسق يولد ملحونا.
 
اجتمعت في زهير الدجيلي مواهب لم تجتمع في غيره الا نادرا.
كان صحفيا يجيد كل فنون الكتابةمخبرا ومحققا وكاتب عمود ومدبج افتتاحيات ورئيس تحرير لا يترك حرفا يفلت من بين يديه دون ان يوّسمه بخطه الرشيق وان كان النص سليمافزهير حين يقرا يدوس بقلمه المبلل بالحبر الاخضر على النصوص وكأنه يربت عليها ويمنحها جواز المرور الى المطبعة.
حتى الذين لا يخضعون ” للرقابة” كان زهير يربت على مقالاتهم فلا أحد يفلت من قلم “ابو علي ولا من مسحاته“!
هكذا كنا نمزح حين نختلي
بدونه، ويشبعنا رياض قاسم بنكات بطلها زهير الذي كان يسمعنا في غرفته المغلقة؛ اذ لا كاتم لصوت رياض قاسم الملعلع في المبنى العتيق.
حتى سهيل سامي نادر الذي عَلّمَ أجيالًا من الصحفيين في العراق المهنة، ولقنهم الكتابة، وزرع في نفوسهم الثقة، وجعلهم لا يخشون ركوب القلم؛ لم يفلت من دوسات قلم ابو علي.
وفي الساعات الأخيرة من الليل، وقبل ان تغلق آخر صفحات مجلة الإذاعة والتلفزيون ، كان زهير يختلي بسهيل بعد ان يفرغ المبنى المجاور للسفارة الإيرانية في الصالحية من العاملينليضعا اللمسات الاخيرة على “مياسة” الصفحة الاخيرة من المجلة الاوسع إنتشارا في العراق سنوات الأمل بعد مجلة الف باء.
ومن ” مياسة” يسمع القرّاء القيل والقال ويغفون على القفشات،وينام العشاق على كلماتها العذبة وسطورها الرشيقةودلعها المثيرفيبعثون برسائل الحب والشجن وكم طلبوا يد مياسة اللعوب لكن بابا زهير ما كان ليقبل لجميلته عريسا حتى لو جاء من كوكب اخر.
كتب زهير الدجيلي بالفصحى والعامية.
سبح مع اقحوانات اللغة الساحرة التي كانت تتفتح أزهارا وأشواك حملها ابو علي اهات والام ومعاناة في قلبه وكان يحرق كل يوم علب السكائر كأنه يبخر للأفكار كي تتجسد كلمات.
كل العاملين في مجلة الإذاعة والتلفزيون لم يكونوا منتمين لحزب البعث الحاكم . ولا حماية لهم من عوادي الدهر غير الشيوعي السابق نزيل السجون على مختلف العهود زهير الدجيلي المتفنن في تحاشي الضربات وافشال الدسائس ضد المجلة والعاملين فيهامخلصا مع زملائه اذا اخلصوا معهلم يطالبهم يوما بموقف سياسي يخدم أهداف السلطةوتحمل بسبب ذلك لطمات مؤلمة . واستثمر علاقاته الحسنة مع مدير عام الإذاعة والتلفزيون آنذاك محمد سعيد الصحاف وجعلها مضلة تحمي المجلة، والعاملين فيها من شرور المتربصين ،والاعداءتلك كانت سبعينات قرن مضى وانتهى الأمل بالموت.
كان شيوعيا كتب أجمل القصائد عن حزب فهد وسلام عادل ورثى من سقط تحت التعذيب وعلى أعواد المشانق برصاص الانقلاباتو مع ان قادة الحزب لم يبادلوه الود على قاعدة انه انخرط مع النظام؛ فانه لم يكتب تزلفا من قادة كانوا أنفسهم يفاوضون حزب البعث للحصول على حقائب وزارية على قاعدة المحاصصة ضمن ما سمي بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية.
كان زهير متعدد المواهبإذاعي وتلفزيونيمؤلف مسلسلات تأريخية، واُخرى إجتماعية كاتب أطفال ومنتج برامج تعليمية واُخرى ترفيهية.
كان ساخرا مكتظا بمرارة سنوات العسف والقمع والملاحقات والجوع والفاقة.
رضعته والدته الشعر مع حليبهافام زهير شاعرة ووگوالة” صدحت في التظاهرات، وفي حفلات التأبين لضحايا الانتفاضات الوطنية وفي المآتم.
وأورثت شعرها الأنثوي العذب لنجلها البكر، و توجته بنفحات من جمال وجهها الأخاذ، وطلعتها البهيةولا يمكن لذواق الا وينبهر بمحيا السيدة الام والمناضلة حتى بعد ان عبرت عقود الشباب.
غنى زهير للعراق حتى الرمق الأخير من حياته العاصفة المديدة . دخل السجون في سن الصباونهل من الحياة رحيقها الإبداعيكان عاشقا أبديا للمرأة والجمالوكانت (أم علي) زوجته الوفية تدرك بحسها الأنثوي ان المرأة تعني لزهير العراق الوطن الذي لم يبح صوته من مناغاته . مناغاة كالنحيب .
كان يامل في ولادة عراق حْنِين، عراق خوش ولد،عراق ابن حمولةولعله على فراش الموت لم ينطق الا باسمه وروحه الشفافة تطير.
مات طائر اخر من تلك الطيور الطايرة وما ردت لأهلها .
ليس أفضل من يتحدث عن زهير الدجيلي غير (ابو علي )نفسههذا الفيديو من بين تسجيلات نادرة على اليوتوب للراحل الذي لف العراق بجناحيه ولا ادري ان كان الوطن وجد له قبرا بين خرائبه .
مقابلة تلفزيونية أجمل ما فيها ان المقدم كان من شدة الانسجام والإعجاب بتدفق زهير الدجيلي، لا يكثر من الأسئلة فاتاح لنا ان نستمع الى زهير الراوية والمنشد والمؤرخ . وفي المقابلة يكشف زهير عن نزر قليل من سجل حياته السياسية والصحفية والإبداعية الحافل .
ومثل زهير الدجيلي يحتاج الى عشرات البرامج لتغطي سفره العميق.
http://youtu.be/iH8pPd4zYI4