صراع النفوذ.. لماذا تتنافس تركيا وإيران على العراق؟

شارك

في يونيو 2020، شنت طهران وأنقرة ضربات جوية ومدفعية متزامنة ضد المتمردين الأكراد في شمال العراق

يعود سبب الخلاف بين إيران وتركيا في العراق لاعتبارات “توازن القوى” وسعي البلدين إلى “نفوذ أكبر” في المنطقة، بالتوازي مع “سباق اقتصادي محتدم”، وفق تحليل نشرته مجلة “ناشيونال إنترست“.

ويقول التحليل إن طهران تشعر بالقلق بشكل خاص من أن أنقرة التي قد تستخدم حملتها المناهضة للأكراد لتأسيس وجود عسكري طويل الأمد في سنجار، كما فعلت سابقا في شمال سوريا ومحافظة دهوك العراقية.

وبالنظر إلى أن العراق وسوريا، المكونان الرئيسيان “لعمقها الاستراتيجي” فإن إيران لديها “مقاربة صفرية لهذه الدول”، وهذا يعني أن طهران غير راغبة في الأساس في مشاركة مجال نفوذها الاستراتيجي المتصور مع الخصوم.

سباق اقتصادي

إلى ذلك، تعتبر تركيا أيضا، المنافس الاقتصادي الرئيسي لإيران في السوق العراقية، وفق التحليل.

ففي عام 2019، صدّرت تركيا ما قيمته 10.2 مليار دولار من البضائع إلى العراق، متجاوزة بشكل طفيف صادرات إيران البالغة 9.6 مليار دولار خلال نفس الفترة، وفق المجلة نفسها.

كما استثمرت الشركات التركية حوالي 25 مليار دولار في 900 مشروع إنشائي وبنية تحتية – بما في ذلك الطاقة والمياه والصناعات البتروكيماوية – في مدن عراقية مختلفة.

Soldiers stand on tanks bearing Turkish and Iraqi flags during a joint military exercise near the Turkish-Iraqi border at…
نقطة عسكرية على الحدود بين تركيا والعراق

وهناك أيضا منافسة متزايدة بين طهران وأنقرة في إنتاج الكهرباء في العراق، والتي كانت تهيمن عليها الشركات الإيرانية في السابق.

إلى جانب ذلك، تعتبر تركيا موقعها الجغرافي عند مفترق طرق أوروبا الشرقية وغرب آسيا ميزة جغرافية اقتصادية فريدة، وتسعى بشكل متزايد إلى احتكار طرق العبور في المناطق المجاورة.

وعلى الرغم من أن القوتين الإقليميتين غير العربيتين حاولتا تاريخيا تحديد مصالحهما ومناطق نفوذهما في العالم العربي بطريقة تتجنب الاحتكاك والتنافس المباشر، لكن في أعقاب تصاعد المشاعر المعادية لإيران في العراق واغتيال جنرال الحرس الثوري، قاسم سليماني، ربما يكون القادة الأتراك قد خلصوا إلى أن الوقت قد حان لدحر النفوذ الإيراني في العراق واستعادة ما يعتبرونه دورا تاريخيا لتركيا في هذا البلد، وفق التحليل.

مواجهة عسكرية؟

مع أن تركيا لا تسعى إلى مواجهة مع إيران في العراق، إلا أنها تتطلع إلى تعزيز نفوذها الاستراتيجي على جيرانها الجنوبيين على المدى الطويل، وفق التحليل.

لكن مسار التنافس الحالي، ينطوي على مخاطر حدوث صدام غير مرغوب فيه، لأن المقاربات الإيرانية والتركية الصارمة تجاه مناطق نفوذهما الفعلية أو المتصورة، يمكن أن تؤدي بسهولة إلى التصعيد، إذا قرر أحد الطرفين تحدي مصالح الطرف الآخر.

Iraqi army soldier stands next to the graffiti left by an affiliate of the Kurdistan Worker's Party, or PKK, which recently…
هددت حركتا عصائب أهل الحق والنجباء القوات التركية في شمال العراق في حالة “غزو سنجار”

توتر سابق

وفي فبراير 2020، كانت إيران وتركيا على وشك مواجهة مباشرة في إدلب، بعد انتشار الميليشيات المدعومة من إيران لأول مرة في محافظة شمال غرب سوريا للمشاركة في القتال ضد المتمردين المدعومين من تركيا.

“وإذا أدت حملة تركية محتملة في سنجار إلى مواجهة بين تركيا وجماعات الحشد الشعبي العراقية المدعومة من إيران، فمن الصعب الافتراض أن إيران ستجلس مكتوفة الأيدي، وتدع الأتراك يمضون قدما كما يريدون” يقول التحليل.

وعلى الرغم من أن طهران تشارك أنقرة مخاوفها بشأن التمرد الكردي في شمال العراق، إلا أن مخاوفها بشأن التداعيات طويلة المدى لحملة عسكرية تركية ممتدة قد وضعت الجانبين في خلاف بشأن الوضع في سنجار.

وفي أعقاب تهديد أردوغان بغزو سنجار، نشرت قوات الحشد الشعبي العراقية القريبة من النظام الإيراني آلاف الجنود في ثلاثة ألوية في سنجار لمواجهة ما يرون أنه نية أنقرة لاحتلال أجزاء من بلادهم.

واعتبرت وسائل إعلام تركية هذه الخطوة تدخلا من قوات الحشد الشعبي لإنقاذ حزب العمال الكردستاني، ومؤشرا على دعم إيران للمسلحين الأكراد.

وفي 10 فبراير، نفذت أنقرة عملية عسكرية في جبال غارا بمحافظة دهوك العراقية لإطلاق سراح عدد من الرهائن الأتراك المحتجزين لدى حزب العمال الكردستاني.

إيران- تركيا- دبلوماسية
لقاءات دبلوماسية بين إيران وتركيا بالكاد تخفي صراعهما في العراق

وبعد فشل العملية، ومقتل ثلاثة عشر رهينة، هدد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بأن تركيا ستوسع حملتها ضد حزب العمال الكردستاني إلى سنجار ، وهي منطقة استراتيجية تقع على حدود العراق مع سوريا.

يأتي ذلك التوتر رغم أن طهران وأنقرة شنتا، في يونيو 2020، ضربات جوية ومدفعية متزامنة ضد المتمردين الأكراد في شمال العراق، مما أثار تكهنات بأنها عمليات منسقة بين الطرفين.

فما الذي تغير في أقل من عام؟

في الآونة الأخير بات لدى القادة الإيرانيين انطباع بأن نفوذهم في العراق آخذ في الانحسار، وأن الجو المعادي لإيران يسيطر على الدولة.

وكانت الاحتجاجات الشعبية الواسعة النطاق في العراق في أواخر عام 2019 ضد الدور الإيراني أول علامة رئيسية على هذا التدهور، بينما وجه اغتيال سليماني أشد ضربة لنفوذ طهران في العراق.

في مايو 2020، تم استبدال رئيس الوزراء المدعوم من إيران، عادل عبد المهدي، بمصطفى الكاظمي، وهو أكثر استقلالية يحاول الحفاظ على علاقة متوازنة مع إيران وجيران العراق الآخرين، بما في ذلك السعودية، ودول شبه الجزيرة العربية وتركيا.

تراشق كلامي

وقبل أسابيع ، انتقد السفير الإيراني لدى العراق، إيراج مسجدي، في 27 فبراير، التدخل العسكري التركي في العراق، داعيا أنقرة إلى سحب قواتها من هناك.

وقال مسجدي في مقابلة مع قناة “روداو الكردية” إن إيران  “لا تقبل التدخل في العراق عسكريا، سواء كانت تركيا أو أي دولة أخرى”.

ورد المبعوث التركي إلى العراق، فاتح يلدز، على تويتر، قائلا إن نظيره الإيراني “سيكون آخر شخص يلقي محاضرة على تركيا بشأن احترام حدود العراق”.

وفي أعقاب هذا الخلاف، استدعت طهران وأنقرة السفراء للتعبير رسميا عن غضبهما.

في المقابل، طالب رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، باحترام سيادة بلاده، وعدم التدخل في شؤونه، في إشارة واضحة إلى التراشق الإعلامي بين السفيرين الإيراني والتركي لدى بغداد.

وكتب الحلبوسي على تويتر: “ممثلو البعثات الدبلوماسية في العراق واجبهم تمثيل بلدانهم وتعزيز التعاون بين البلدين، فعلى بعض ممثلي تلك البعثات أن يعي جيدا واجباته، ولا يتدخل فيما لا يعنيه، ويحترم سيادة العراق لكي يُعامل بالمثل.