شُبوب الفارس:

شارك
شبَّ الحصانُ الذي رسمَه الفنّان عامر العبيدي على صفحات الممالك الشرقية القديمة، وترجّل فارسُه على القارة الشمالية، قاطعاً صحراءَ الوجد والتأمل، مستغرقاً في حالات الشُّبوب والمغامرة الفنية والانسانية..
كانت رحلة عامر العبيدي (النجف ١٩٤٣-) إلى الجانب الآخر من المضمار الفروسيّ طويلةً ودونكيشوتية، تمشكلَ الفنّانُ خلالها بجذور الأمكنة التي أمدّت خيالَه وأخرجته من الواقع المألوف إلى ما فوقه أو وراءه (الرموز النجفية- العمارة البغدادية- الصحراء السعودية- القارة الأميركية) وكانت الأقنعة تتطاير من سرج الفارس/لوحتهِ بما يساوي زوبعةً من الرموز والأفكار، الأصيلة والمستهدَفة. فما يخبئه الفنّانُ تحت ردائه يتطلّع إلى تحريره في غير مكانه ومجاله الحيوي/ خطّه البصري المنكسِر في سراب لوحةٍ لا حدود لها. وكانت اللوحة تتسع حتى تلامس حدَّها التصوّري ودلالتَها الرمزية، بل إن الفارس المشبوب يتخطّى حدَّه إلى ما وراء الآثار المرتسِمة على الخرائط والأدلة والنماذج الموروثة من أيديولوجيا المراكز المقوَّضة.
شبتّ خيولُ الفنان العبيدي، وتبعتها طيورُ القباب وطُنف القصور القديمة، واشرأبّت أعناقُها وأجنحتُها إلى ما وراء المناخ الاول دون مواربة او شطَطٍ في الشكل واللون والتصميم. فالحركة الرشيقة للحصان العربي علامة متأصلة في التقليد الفني العربي منذ أقدم التصويرات الجدارية والورقية. غير أن إضافة الحسّ الجمالي المعاصر لهذه الوحدة التصميمية، نقلتها من فضاء التزيين الخالص الى فضاء التخييل المعماري الحرّ، ومزجتها بتكنولوجيا الرؤية البصرية المتحررة من نمطية الصورة المتحفية التقليدية. كذلك، فإنّ الفنان المرتحِل أضاف إلى المساحة الانطباعية التقليدية للخيول رؤيا الجسد البشري في عناقه الرمزي مع علامة تكرارية تتخلل الحركة الكامنة في الشكل المعبأ بالجمال والخصوبة. وكلما ازداد تكرار هذه العلامة، أصبح ممكناً تجريدها من علائقها الذكورية والفحولية، ونِسبتها الى تيار من المشاعر والأحاسيس غير الممركزة بمفهوم “فروسيّ” مهيمِن على الخيال الشرقي/الاستشراقي، والمستبطِن لأكثر الصور جموحاً وشهوانية عن الشرق المُستعمَر، المحكوم بنماذجه الثقافية البدوية وتمظهراتها الكاريكاتيرية. إنّ التناسق الجمالي لمجموعة الأشكال البيئية الأليفة، المرتحلة، التي يعرضها العبيدي بزهو “الفارس” المتسلطِن بذاته على لوحته، تشبُّ من مفاهيمها المؤطِرة لأدوار الفرسان المدرَّبين في مضامير الفن الانطباعي (تقاليد المدرسة الفروسية الغربية) وتذهب بجموحها إلى العمق الجوهري المفصَّل على قياس شخصيةٍ تأنف الركودَ النمطيّ والتذلل العاطفي. ولم يكن هذا الانتقال من تشخيصية الفضاء الفروسيّ إلى مفهومية التخيّل اللا فروسي سهلاً وقصيراً؛ ففي حساب التجارب الفنية الانتقالية تُقاس التحوّلاتُ الجذرية بمدى المعاناة في رحلة التركيب وإعادة تفكيكه إلى جواهره البسيطة، أي تجذيره ثانية في أمكنةٍ معادية، كالغرب الاستشراقي. إنّها المعاناة نفسها في أن تقود فرَسَك إلى معرض للسيارات الحديثة. وما يصطحبُه الفنانُ هنا ليس جسداً ميكانيكياً، إنما هو يقود بمعيته صورةً من الإشكالية التي صرَعت فنّاني الشرق منذ دخولهم عصرَ الروبوتات والحواسيب والعروض الفنية الكبيرة في عقر دارها.