سماء صافية في مينسك!

شارك

سلام مسافر 

لكن الغيوم تتلبد فوق الرئيس الكسندر لوكاشينكو المعاقب أوروبيا بفرض حصار جوي على جمهورية بيلاروس، من الممكن ان يسدد ضربة قوية لاقتصاديات أحد أصغر الجمهوريات السوفيتية السابقة، الضعيف أصلا.
وبدلا من ان يتراجع الرئيس فاقد الشرعية، بفعل تزوير الانتخابات؛ عن الفرية- الذريعة باختطاف طائرة الخطوط الجوية الإيرلندية، واعتقال معارض شاب كان مع صديقته على متنها؛ تمعن أجهزة لوكاشينكو القمعية في ممارسة إرهاب الدولة، وتقرر اعتقال صديقة المعارض المختطف، المواطنة الروسية، طالبة الجامعة صوفيا سابيغا مدة شهرين، بتهمة
” التطرّف”، والتحضير لأعمال
” تخريبية واستفزازية” تهدد الأمن القومي!
تهم تثير عاصفة من الضحك، حين يطّلع المرء على فيديوهات
” المتطرفة” على تيك توك ، وهي تتقافز بثوب قصير ، وضفائر .نزقة، وتقوم بحركات صبيانية، كقريناتها في العقد الثاني من العمر .
في نفس الوقت، وعلى طريقة الأنظمة الفاشية في العالم الثالث، أجبر جلاوزة امن الدولة، المدون المختطف رومان بروتاسيفيتش على الظهور أمام الكاميرا،ويعترف بانه يتعاون مع الأجهزة الاجنبية، وبانه ” متطرف”!
وهكذا تتوالد أكاذيب نظام مينسك، مثل الفطر.
فبعد فرية “إيميل حماس”بتفجير الطائرة، يتواصل مسلسل الكذب، وتلفيق التهم ضد معارضين، غالبيتهم شباب عاطل عن العمل، لا سبيل لهم الى الهجرة، بحثا عن فرص عمل أسود في الغرب، ولا طاقة لهم على الاستيطان في بلد، تستخدمه
” الديمقراطيات” الغربية، وواشنطن، ساحة للمواجهة الخفية، او المعلنة مع روسيا، التي أدرجت، الولايات المتحدة، وجمهورية تشيكا في قائمة الدول غير الصديقة، في إشارة الى ان الكرملين، لا يكترث للانتقادات الأوربية،والاميركية؛ بشأن ملف حقوق الانسان.
وعلى مدى حوالي ثلاثة عقود من حكم الكسندر لوكاشينكو، مارس الإتحاد الأوربي ، ما يشبه لعبة القط والفأر مع” باتكا” اللقب الشعبي ويعني ” الوالد” للرئيس البيلاروسي، نكاية عن نظام الهيمنة الابوي الشامل على مقدرات البلاد.
فمن جانب، ينتقد الغرب، بشدة، أنتهاكات حقوق الانسان في بيلاروس، وملاحقة المعارضين، وفرض القيود على حرية التعبير، والصحافة المستقلة؛ ومن جانب آخر، يمتنع عن فرض عقوبات مؤذية، على لوكاشينكو وحاشيته، ومجموعة الأوليغارشية المتحكمة بالبلاد، وتنغيص معيشة العباد.
تتجلى انتهازية الإتحاد الاوربي، والحليف الاطلسي؛ بوضوح، حين تمتنع عن فرض عقوبات فعّالة على الطبقة الحاكمة ؛ خوفا من الاندفاع نحو التحالف المطلق مع روسيا،وقيام نواة، لإحياء الدولة السوفيتية الغابرة.
ويستثمر لوكاشينكو، بما يملكه من انتهازية ودهاء الفلاح الفطري، المخاوف الجيوسياسية لدى صناع القرار الاطلسي، ويلعب مع موسكو، على حيال التقارب، الى حد الانخراط في وحدة تكاملية مع روسيا، لكنه سرعان ما يتراجع، حين تلوح له أوروبا بالمساعدات والقروض الميسرة .
ولان موسكو، تدرك المديات التي يمكن ان يذهب اليها الشقيق السوفيتي السابق، الذي يصف نفسه بانه ” مسيحي أرثوذكسي ملحد”؛ فان الكرملين، يحرص على إبقاء شعرة معاوية مع نظام” باتكا” لمنعه من القفز تماما في أحضان الغرب،خشية ان تصبح روسيا مكشوفة أمام الجناح الغربي لحلف شمال الاطلسي، بآلته العسكرية الجاهزة على مدار الساعة، بعد ان غدت جمهوريات البلطيق السوفيتية السابقة( لاتفيا، لتوانيا، استونيا) جسرا أطلسيًا للعبور نحو روسيا.
تشن وسائل الإعلام الروسية،حملات دورية على تورط لوكاشينكو وأبنائه في ملفات فساد ، لكنها سرعان ما تخفت ، حين يقدم رئيس بيلاروس، المزيد من التنازلات في مختلف الملفات السياسية والاقتصادية، المنسجمة مع مصالح روسيا.
” الارثوذكسي الملحد” كان على يقين تام من ان اوروبا الى ماقبل قرصنة الطائرة الإيرلندية، لن تقوم بخطوات حاسمة، تزعزع نظامه، خشية ان يعلن الوحدة مع روسيا، ولكنه في نفس الوقت؛ لا يكف عن التلويح “بالمؤامرة” الاطلسية، لحشد دعم وتأييد الشعوب السلافية، الروس والبيلاروس والاوكرانيين.
شعوب تشعر قطاعات واسعة منها بالغبن اثر خروج الدولة السوفيتية، الجامعة، مهزومة من الحرب الباردة .
ويجد” باتكا” في الشعار الارثوذكسي، راية قومية، ولذلك يرفق مع التوصيف، كلمة ملحد، لارضاء اليهود تحديدا ، والجماعات الأخرى المتعايشة في روسيا واوكرانيا و بيلاروس بوجه عام.
لقد تفتقت عقلية جهاز أمن الدولة ( كي جي بي) في بيلاروس عن فرية
” إيميل حماس” التي لم يصدقها حتى أشد اعداء المنظمة؛ الموسومة في غالبية وسائل الاعلام الناطقة بالروسية “بالارهاب ” ،رغم ان الكرملين لم يصرح يوما بذلك ، بل ان الإتصالات بين قادة حماس والخارجية الروسية شبه دورية، وقلما يمر شهر او شهران دون مكالمة هاتفية بين قادة حماس والمبعوث الخاص للرئيس الروسي نائب وزيرالخارجية ،المستعرب، الضليع بشؤون العالم العربي ميخائيل بوغدانوف، وفقا لمعلوماتنا، مع أبرز قيادات الحركة.
لقد تناهى الى مسامع لوكاشينكو من مستشاريه الامنيين الفطاحل، ان كذبة، حماس لم تعبر حتى على المتطرفين وسط المجتمعات اليهودية في روسيا وشقيقاتها، فتفتق ذهن الفلاح، مرة اخرى عن رواية، أغرب من سابقتها الحمساوية، معلنا أمام برلمان مينسك، باغلبية مطلقة من المولاة، وممانعة الغرب، ان إيميل التهديد بتفجير الطائرة الإيرلندية ” التي إقتربت من أجواء بيلاروس، وصلنا من سويسرا” واضاف” ليس مهما حماس او غير حماس” !
هكذا ببساطة، نقل لوكاشينكو؛ كاميرا فلمه الفاشل، من بحر غزة المالح، الى ينابيع الالب في سويسرا.
لا يرمش لباتكا جفن، حين يكذب، لكن وجهه المستطيل، ينضح رياء وهو يتحدث عن إعترافات” طوعية ” للمعارض الشاب ابن السادسة والعشرين ربيعا، رومان بروتاسيفيتش؛ يكشف فيها عن الجهات الخارجية المموله له ولأمثاله!!
لن تنتصر أوروبا للمنتهكين لا في بيلاروس ولا في غيرها؛ لآن المصالح التجارية فوق كل الاعتبارات؛ تماما مثلما تتستر على جرائم أنظمة القمع والقهر والتعسف في العالم العربي؛ مقابل عقود تجارية وصفقات مجزية.
اما العقوبات والحصارات والمقاطعة فأن ضحاياها الشعوب.والشعوب فقط.
فالعقوبات شبكة تصطاد الأسماك الصغيرة، وتفلت منها الحيتان!