زيادة جرائم القتل في مصر.. الجدة تقتل حفيدتها والابن يقتل أباه

شارك

بسبب الأزمات الاقتصادية وإدمان المخدرات

القاهرة: شهدت مصر على مدار الأسابيع الماضية، عدداً كبيراً من جرائم القتل الأسرية المروعة التي تنوعت بين قتل الأبناء لآبائهم وأمهاتهم، وقتل الأحفاد للأجداد، والجدات للحفيدات، إضافة إلى قتل الأزواج لزوجاتهم، والعكس، وهي جرائم لم يعهدها المجتمع المصري الذي كان معروفا عنه الترابط، والتلاحم الذي يظهر في أوقات الأزمات الكبرى.
فخلال حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) على سبيل المثال، لم تشهد مصر أي حالات قتل أو سرقة أو طلاق، كما خلت أقسام الشرطة من بلاغات المواطنين.
وما يثير الاهتمام في جرائم القتل التي شهدتها مصر مؤخرا هو الأساليب الوحشية، وهو ما ظهر جليا في قتل زوج لزوجته بطريقة بشعة والتقاط صور سيلفي للجثة مع أطفاله، وقيام بنت بقتل والدتها، بالاشتراك مع شاب تربطها به علاقة محرمة، وقتل جدة لحفيدتها وإخفاء جثتها عن أمها التي بحثت عنها كثيرا، ولم تعثر عليها ما دفعها لإبلاغ الشرطة التي كشفت الحقيقة، وقيام شاب بقتل جده. هذه الجرائم دفعت للبحث عن أسباب الظاهرة، ودوافعها، التي تأتي الضغوط والأزمات الاقتصادية، وإدمان المخدرات، وفقدان الوازع الديني على رأس أسبابها.

الضغوط الاقتصادية وإدمان المخدرات دوافع رئيسية
الضغوط الاقتصادية الشديدة على جميع شرائح المجتمع، تعتبر من أهم العوامل التي تدفع إلى ارتكاب الجرائم البشعة التي ظهرت في المجتمع المصري خلال الآونة الأخيرة، وذلك حسب الخبير القانوني، المحامي بالنقض، الدكتور سمير صبري، في تصريحات خاصة لـ«المجلة» قال فيها إنّه «من المعروف ومن خلال الدراسات العالمية، أن الضغوط الاقتصادية ينتج عنها ارتفاع عدد الجرائم، خصوصاً مع الإدمان الذي قد يؤدي بالمدمن إلى ارتكاب جريمة من أجل الحصول على المال لشراء المواد المخدرة، مما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع عدد الجرائم بنسبة كبيرة».
وتابع صبري: «لا بد أن تكون هناك عقوبات مغلظة جدا وفاعلة، مع سرعة تطبيق العقوبات، وتنفيذ الأحكام الصادرة حتى تكون عبرة للجميع، مع تكثيف الرقابة من داخل الأسرة على أولادها، ومراقبة العلاقات المالية الخاصة بهم، وأن يكون هذا الأمر تحت إشراف الأسرة، وكل ذلك يحتاج إلى عمليات رواج اقتصادي، وإلى مكافحة الإدمان، وتغليظ العقوبة على تعاطي المواد المخدرة، وسرعة تنفيذ الأحكام الصادرة».
ويؤكد المحامي بالنقض أن الإدمان على تعاطي المواد المخدرة يعد أحد الأسباب الرئيسية لظهور هذه الجرائم الخطيرة والبشعة المرتكبة خلال الفترة الماضية، لأن المواد المخدرة تفقد الشخص المتعاطي وعيه تماما، ولا يدرك ما يقوم به من أفعال، فتكون النتيجة إرتكاب جرائم بشعة حتى يتحقق المجرم من وفاة الضحية، أو المجني عليه وإتمام قتله، لأن الوعي يكون مفقودا تماما تحت تأثير المخدر أيا كان نوع المادة المخدرة، خاصة بعد ظهور عدد من أنواع المخدرات السيئة جدا، ورخيصة الثمن جدا، وهي في متناول جميع الشباب، وهو ما أدى إلى انتشار الجريمة وسرعة تنفيذها.
وشدد المحامي سمير صبري على أهمية السرعة في تنفيذ الأحكام قائلاً: «ثمة أشخاص في السجون صدرت بحقهم أحكام الإعدام منذ ما يزيد على الأربع سنوات، في قضايا إتجار في المخدرات، ولم يتم تنفيذ هذه الأحكام حتى الآن، لذا فإن الرادع ضعيف جدا رغم أن العقوبات في القانون المصري منصفة جداً، وهناك بعض المواد بحاجة إلى تغليظ العقوبة لكن هذا لا يمنع من سرعة تنفيذ الأحكام، فالأحكام حاليا تصدر خلال 48 ساعة، بما فيها أحكام الإعدام، ولكن متى تنفذ؟ ينتظر تنفيذ الأحكام لأكثر من عام واثنين وأربع سنوات، وكل ذلك يؤدي إلى عدم احترام الأحكام الصادرة».
ويؤكد صبري أن ارتكاب جريمة تحت تأثير المواد المخدرة، يمنع القاضي من تخفيف العقوبة على المتهم أو استعمال الرأفة معه، لأن تناول المواد المخدرة عمدا يأتي ضمن الأسباب التي تؤدي إلى تشديد العقوبة، لذا يحاكم الشخص الذي يرتكب جريمة تحت تأثير المخدر على جريمتين، الأولى تعاطي مواد مخدرة، والثانية جريمة القتل، فيحصل على العقوبة الأشد في الجريمتين، وهي عقوبة القتل، لأن هناك ارتباطا في الجريمة بين تناول المخدر، وما أدى إليه من إرتكاب الجريمة فاصبح هناك ارتباط في الجريمة طبقا للمادة 52 من قانون الإجراءات الجنائية، حيث أن هناك جريمة تولدت من ارتكاب جريمة أخرى، ويحكم على المتهم بأقصى عقوبة للجريمة الثانية وهي الإعدام، والتي تجب العقوبة الأولى.

ازدياد نسبة جرائم القتل توجع المجتمع المصري

مشاكل أسرية وخلل مجتمعي
«الجرائم المروعة التي حدثت في المجتمع المصري خلال الفترة الأخيرة تعكس وجود الخلل المجتمعي الذي انتاب الجميع، فالمجتمع المصري في مراحلة السابقة كان يسير بنظام محدد، وكانت مصر بلدا مغلقا له تقاليده وعاداته، وأعرافه»، حسب أستاذة علم الاجتماع الدكتورة اعتماد عبد الحميد، التي قالت في تصريحات خاصة لـ«المجلة» إنه «كان ثمة تقدير للكبير واحترامه، ثم بدأنا الدخول في مجموعة من القوانين (العالمية) والتي لها كل التقدير، ولكنها لا تتكيف مع عادات وتقاليد وسلوكيات المجتمع المصري، إضافة إلى دخول كميات كبيرة ومهولة من المواد المخدرة للبلاد والتي لها تأثيرات سلبية خطيرة على المتعاطي، وهناك مادة مخدرة لم نكن نسمع عنها من قبل تسمى (الآيس) وهي تمحو الدماغ، والكارثة الكبرى أن هذه المواد المخدرة رخيصة الثمن، وهي في الأساس مواد مخدرة مخلقة، وليست مواد طبيعية، ومن الممكن أن يقوم أحدهم بوضع المواد المخدرة في كوب الشاي الخاص بزميله من باب المزاح».
تراجع الأخلاق بشكل كبير من الأسباب التي أدت إلى ازدياد معدل الجريمة، تقول دكتورة اعتماد: «في الماضي كان للزوجة دور، وللزوج دور، فتم خلط هذه الأمور، لذا نرى كما كبيرا من المشكلات الأسرية بين الزوجات والأزواج والتي تعرض يوميا في محاكم الأسرة، ومثل هذه الأسر ليس لديها وقت، أو فرصة لتربية أولادها، فعدم الاستقرار الاقتصادي والمشكلات الأسرية تلعب دورا كبيرا في ظاهرة القتل البشعة التي تشهدها البلاد».
وتضيف دكتورة اعتماد عبد الحميد: «لو رجعنا إلى النموذج القديم الذي كنا نراه في الأفلام القديمة مثل دور (الست أمينة) زوجة السيد عبد الجواد في أفلام نجيب محفوظ والذي كنا نتندر عليه جميعا، فهل الست أمينة لم تكن تجد في نفسها أنها ملكة البيت؟ حتى عندما أمرها زوجها بترك المنزل لم يسئ لها، ولكنه قال لها (روحي لأمك) وبرغم أن هذا الإجراء كان يعد نوعا من أنواع التأديب، إلا أنه لم يتسبب لها بأي إساءة، وتعامل معها بكل احترام، أما الآن فقد تراجعت الأخلاقيات، وأصبح سهلا أن تطلب الزوجة الطلاق، كما أصبح من السهل أن يطلب الزوج منها رفع دعوى خلع حتى لا يتكلف أية أعباء، فقد تراجعت الأدوار، لذا ظهرت المشاكل».
وتؤكد دكتورة اعتماد أنه «كما أن هناك مطالبات بتشديد الإجراءات العقابية على جرائم القتل المرتكبة حتى تكون رادعا يمنع من ارتكابها، إلا أن تراجع الأخلاق هو ما أدى لوقوع مثل هذه الجرائم، خصوصاً مع ارتباطه بالعامل الاقتصادي إلى حد كبير، فقد شهدنا جريمة بشعة لأب قام بقتل ابنته عندما طلبت منه زوجته مبلغ 10 جنيهات لشراء عشبة الكراوية لطفلته المريضة، فقام بضرب زوجته وطفلته حتى فارقت الحياة».
وترى دكتورة عبد الحميد أن «الإدمان على المخدرات يمثل أحد الأركان الأساسية المتسببة في ارتكاب هذه الجرائم البشعة، فمنذ عام على سبيل المثال، أقدم شاب على اغتصاب طفلة صغيرة، ورماها من فوق سطح إحدى العمارات، تحت تأثير مواد مخدرة مخلقة،، وقد أكد خلال التحقيقات معه أنه لا يعرف ما تعاطاه من مواد مخدرة دسها له أصدقاؤه في أحد المشروبات، حيث أن المواد المخدرة الطبيعية مثل الحشيش، والأفيون تعطي حالة من الهدوء على العكس من المخدرات المخلقة التي تتلف خلايا المخ، وهو ما يؤكد على ضرورة العودة إلى انضباط المجتمع عن طريق الاهتمام بالأسرة وعوامل استقرارها، وعودة احترام الجد والجدة، والعم والعمة، وتعريفهم بأدوارهم الطبيعية واحترام الأصغر للأكبر، والاهتمام بالمناهج التعليمية التي تدعو لاستقرار الأسرة، لأن الدخول في منازعات يفقد الأسرة استقرارها، إضافة إلى ضرورة مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي لأن كل ما طرأ على المجتمع المصري من وسائل وأدوات بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي له دلالة في ظهور جرائم القتل البشعة التي طرأت على المجتمع المصري، فنجد الأب والأم يقومان بعمل فيديوهات ذات محتوى سيئ وبطرق مبتذلة من أجل الحصول على دخل مادي، وهي كارثة من الكوارث لأن بيوتنا أصبحت مفتوحة على المواقع.. لذا يجب العودة مجددا إلى المنظومة الأخلاقية، وعودة ثقافة الاحترام، لأن البيت الذي يبنى على الاحترام يستمر في حياة جيدة وسوية».

انعكاسات سلبية للدراما وفقدان الوازع الديني
الدراما أحد أهم المتهمين في حدوث الظاهرة التي ازدادت وتيرتها في مصر خلال الآونة الأخيرة خصوصاً جرائم القتل بين أفراد الأسرة الواحدة، وبين الأقرباء والتي أصبحت دليلا واضحا على عدم الترابط الأسري وشيوع ما يعرف باسم تمزق ثقافة المجتمع، حسب الدكتور أحمد زارع المتحدث باسم جامعة الأزهر، الذي يقول في تصريحات خاصة لـ«المجلة» أن «الدراما التلفزيونية تروّج للكراهية بين أفراد الأسر، إذ أن بعض أنواع الدراما تمثل أن المال هو المحرك الأساسي الذي تدور حوله صراعات قد تنتهي بأن يقتل العم إبن أخيه، أو يقتل الأخ أخاه من أجل الميراث، وذلك بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني، فلو كان هناك وازع ديني يجسد الترابط الأسري وصلة الرحم، والعلاقة بين أفراد المجتمع على أساس الدين، فسيعرف كل شخص ما له من حق في رحمه وأهله، وسيقوم كل شخص بما عليه من واجب، وسيصبح هناك ترابط قوي بين أفراد الأسرة والمجتمع لأن الإسلام يدعو للترابط بين الأسر وبين الأفراد في المجتمع ترابطا ليس له نظير في العالم، وعندما يضعف هذا الوازع الديني فلا شك ستنفك هذه العرى وستصبح المصالح المادية هي المحرك الأساسي للعلاقة بيننا، لأن طغيان النواحي المادية جعل هناك تناحرا فعليا بين الناس وتناسيا للعلاقات الأسرية التي حث عليها الدين، كما أن انتشار ثقافة العداء بين الأسر بعضها وبعض خلقت نوعا من الخلل الذي يحدث داخل المجتمع حاليا نتيجة سيطرة الفكر المادي على الأفراد، وانعدام الثقة بين الناس».
ويؤكد الدكتور أحمد زارع أن «إدمان المخدرات والخمور والموبقات له آثار سلبية خطيرة جداً على المجتمع وأفقدت المدمنين قيمهم، فأصبح الناس بمثابة حيوانات غير مستأنسة، وهو ما تسبب في ظهور هذه الجرائم المروعة التي كانت غريبة على المجتمع. إضافة إلى الانعكاسات السلبية على الأسر التي تسببت فيها الدراما والتي تحض على العنف وعدم الترابط الأسري. وهذا ما يدفعنا للقول أن ترسيخ الوازع الديني، وإدخال مواد الدراسات الدينية، والمناهج التي تحض على التودد والتراحم وصلة القربى في المدارس منذ الصغر، لترسيخ قيم التسامح والمحبة بين أفراد المجتمع بعضهم البعض، ولو رسخت هذه القيم نستطيع خلق جيل جيد كما كان من قبل، إضافة إلى مقاومة الآفات المتمثلة في المخدرات والخمور، وتغليب الجوانب الروحية على الجوانب المادية».