حميد سعيد يستأنف الوقوف على الأطلال

شارك

«

المعلقة البغدادية» لضياء خضير

د. إبراهيم خليل

بعد كتبه «الأثر الأجنبي في المسرح العراقي» 1988 و»التشكيل التاريخي الكاذب» 1996 و»ثنائيات مقارنة» 1997 و»شعر الواقع والكلمات» 2001 و»قمر القدس الحزين» 2002 و»سامي مهدي ناقدًا» 2010 و»الأبيض والأسود في السرد العُمانيّ» 2015 تصدر للناقد العراقي ضياء خضيّر دراسة جديدة بعنوان «المعلقة البغدادية» (دجلة للنشر، عمان، 2021) ويقول الباحث المقيم في تورنتو بكندا – فيمن يقيم فها من اللاجئين العراقيين: إن الدافع الذي حدا به لتأليف هذا الكتاب أنه صنف كتابا قبله عن شعر سعدي يوسف، وكان حميد سعيد قد أشادَ بالكتاب عن شعر (الشيوعي الأخير) إذا ساغ التعْبير، وجاز الوَصْفُ، مبديًا الإعجاب بتلك الدراسة، مع أن خضيّر ظنّ أنّ حميدًا لا يحب سعدي يوسف لما بينهما من الاختلاف، والتبايُن، الإيديولوجي.
وبعد تلقيه رسالة من حميد يثني فيها على الكتاب، ويحمد له النهج المتَّبع فيه، عزم، في ضوء هذا التقريظ، والتشجيع، على القيام بدراسة شعر حميد سعيد أسْوةً بدراسته لشعر سعدي يوسف. فاختار أشعارهُ التي كتبها، ونشرها بعد الاحتلال الأنجلو- أميركي للعراق. يقول: وما حاولته في هذا الكتاب لا يختلف كثيرًا عن ذلك الذي حاولته في كتابي السابق عن سعْدي، وشعره، أعْني الاحتفاء بقراءة الشاعر من خلال قصيدته المُفردة. (ص12)
والمؤلف يعني بهذا النهج أنْ يتناول في كلّ فصلٍ منْ فصول الكتاب- وعددها 13 فصلا – قصيدة واحدةً، يُسلط عليها الضوءَ من جوانب شتى. ففي أوَّل هذه الفصول يقف بنا عند قصيدته «رؤى بَغْدادية». متخذًا من عبارة (المعلقة البغدادية) عنوانا للفَصْل؛ فكأنه يساوي بين هذه القصيدة وأيّ معلقة من المعلقات المعروفة في جاهلية العرب. فوَجْه الشبه بينها وبين هاتيك المعلقات كثرةُ ما يرد فيها، وَيَتواتر، من أسماء الأماكن التي ترتبط بعاصمة الرشيد قديمًا، وفي الحديث. فحميد يذكر فيها حيَّ الباب، وحي الخسّ، وبُستان خاتون، وحيّ خضر الياس، وحيّ حنّون، والكرْخ، ويذكر علاوةً على الأمكنة أسماءَ الشخوص ممَّنْ لهم لصوقٌ ببغدادَ؛ كعليٍّ بن الجَهْم، الشاعر القرشي البغدادي؛ وأبي نُواس؛ وجاريته جنان. ولا يفتأ يشير لأسواق الوراقين، والعطارين، والنحاسين، ولبشر الحافي- أحد المتصوِّفين الذين ارتبط ذكرُهم ببغداد.
ويزعم الناقد، في دراسته هذه، أنَّ القصيدة «رُؤىً بغدادية» تُشْبه المعلقات في أسلوبها العام، فحميد يقف فيها وقوف الشاعر الجاهلى على الأطلال، مستعيدًا بعض الذكريات، مستعرضًا حنينه، لا إلى الديار فَحَسْب، بل إلى من سَكَنَ الديار، على رأي الشاعر القديم القائل:
وما حبُّ الديار شغَفْنَ قلبي
ولكنْ حبُّ مَنْ سكنَ الديارا
وفي رأيه ثمَّة وجْهُ شبهٍ بين مقدّمة «رُؤى بغدادية» ومقدِّمة السيّاب «لأنشودة المطر». وهذه الإشارةُ، لما بين القصديتيْن من شبَهٍ، إشارةٌ مُفتعلةٌ، في رأينا، ولا تنمّ عن اقتناع، بدليل أنَّ المؤلف تجاوزها بسرعة إلى القول: ومثلما كان الشاعر الجاهليُّ حريصًا على تحْديد الإطار المكاني لوقفته الطللية، كذلك حميد سعيد يُبدي مثل هذا الحِرْص بذكره الميادين من الباب الشرقي إلى بستان خاتون. ولم يفتْهُ – أي الشاعر- أنْ يذكر معالم تشير لتاريخ بغداد فضلا عن حاضرها. فبذكره لجنان – جارية أبي نواس- التي تطلع بفتْنَتِها من الحمّام البغدادي، وبذكره أسواق الورّاقين، تتداعى في الذهن صورٌ من الماضي عن بغداد دار الحكمة، وكتُب الهند، ويونان، والمترجمين، من مثل يونس بن متى، وحنين بن إسحق، ولم يفته – أيضًا – أنْ يشيد بفنون بغداد، ولا سيما الشعر، والغناء، والموسيقى:
من معجمها خرج ابن الجهم عليّ
وعلى نقرات خطاها
وقَّع زرياب العود
وأخرج من فتن الأوتار الألحان
في ليل حدائقها
تتفتّح أزهار قصائد شاعر المنسي
فتملأ آماد العتمة عطرًا وغناءً
تتلقاها أول عابرة من دفْء الليل
إلى الحمام البغدادي
يريد خضيّر بهذه الإشارات أنْ يصل بنا إلى رأي في القصيدة مَفادهُ أنَّ حميدًا يقدم لنا فيها نموذجًا للشعر الأصيل، المتين، الذي يجمع بين صوت الذات وأصوات الأسْلاف، فصوت الشاعر الحديث لا ينْفكُّ يندغم بأصوات الشعراء العباقرة، من أمثال: ابن الجَهْم، صاحب «عيون المها بين الرصافة والجسْر» وأبي نواس، صاحب (ألا فاسْقِني خمرًا وقلْ لي هيَ الخمرُ) وسواءٌ أكان العازف زريابَ، أو عبّودًا الكَرْخيّ، فالاثنان سيّان، علاوةً على أغاني، وأناشيد، الصوفيّين من أتباع بشر الحافي. وتبعًا لما ذُكر، فإنَّ «رؤى بغدادية» التي كتبها الشاعرُ، ونَشَرها، وهو في المنفى، بما تنطوي عليه من اقتباسات، وإشارات، لنُصوص أخرى، وشعراءَ آخرين، وإلى معالمَ، وفنّانين، ومتصوّفين، وفلاسفة، ومفكرين، تشبه في وصف المؤلف «سمفونية كلاسيكية، حزينة، تنْتمي إلى عصر النهضة والأنوار» (ص41)


وفي فصلٍ آخَر يقفُ المؤلفُ بنا إزاء قصيدة « يسألُ عوليس «. وهي القصيدةُ الأولى في ديوان حميد «أولئك أصحابي» (2015) وفيها أفاد من أسطورة أودسيوس (يقال له: عوليس، ويولوسيز أيضًا) الذي تاهَ في البحار 10 سنين فأخَّرَ الضياعُ وصولهُ إلى (إيثاكا) حيث امرأته (بنيلوب) تنتظرهُ، وحولها المتطفّلون يريدون النَيْل منها، ومن وفائها بعروضهم الزواج منْ أحدهم، وإقناعها بأنّ أودسيوس المحبوب لن يعود طالما أنهُ أسيرٌ لدى آلهة البحار.على أن الشاعر لا يتقيَّد بالأسْطورة، بل نجدُ أسطورتهُ هذه تنتظمُ في نَسَقٍ عكسيٍّ يعبّر فيه الناظم عن مشاعره هو، لا عن مشاعر (بنيلوب) أو (أودسيوس).
إلى أين سأمضي
ولا مكانَ لي
بينيلوب ماتت .. واستبيح نَوْلها
والمياهُ فارقتْ لغاتِها الأولى
تصحَّرتْ ضفافُ آخر القصائدِ البيضِ
غزاها الرَمْلُ والرَمادْ
وادّعاها السادةُ السَماسِرَة
لم يقتصِرْ الشاعرُ على استدعاء النموذج الإغريقي بطل (الأودسا) ولكنه، في رأي خضيّر، يُضيف إلى ذلك شيئًا من النظر في رواية جيمس جويس (1882- 1941) (Ulysses) فاجتمع فيها ضربان من التناصّ، ضَرْبٌ يحيلنا إلى الملحمة المشهورة، التي نقلها إلى العربية دريني خشبة(1903- 1965) وضربٌ يحيلنا إلى رواية الإنجليزي (جويس) الصادرة عام 1922. لذلك جاء النصّ – في رأي خضيِّر – ذا بنية دلاليَّة مُراوغة، يحتمل فيها أنْ تقول القصيدة داخل الرواية شيئا، فيما تعني شيئا آخر داخل المَلْحمة. والذي لا مِرْية فيه، ولا جدال، أنَّ القصيدة- في رأينا – لا عَلاقَةَ لها برواية جويس المذكورة. فهي تتخطَّى هذه الرواية، وتضَعُنا وجهًا لوجه أمام النصّ الإغريقي، وتقيمُ وجودها الفنّي على وقائعَ، وأحداثٍ قديمة متخذةً من (عوليس) ورحلته التي تستغرق 10 سنوات معادلا رمزيًا للضياع الذي يحسُّ الشاعر به في مَنْفاه. فكما أنَّ (عوليس) تاهَ في البحار عشرًا من السنين، كذلك أتم حميد سعيد عند كتابته القصيدة عشرًا في منفاه (للمزيد انظر كتابنا: القابض على الجمر – حميد سعيد، ط1، هبة للنشر، عمان، 2018 ، ص ص 41- 46).
ويحاولُ خضيّر، في ما تبقى من دراسته التحليلية للقصيدة، تفكيكَ شيفْرة النص. فإيثاكا حيثُ ترِدُ هي بغداد:
متى تعود إيثاكا إلى أيامها
فكلما اقتربتُ منْ أسئلتي
تبعدُ إيثاكا
تعِبْتُ…
كلما اقتربتُ منْها ابتعَدَتْ
و(عوليس) القديم هو حميد نفسه، والعَمائمُ في القصيدة ترمز بالطائفيين، والسماسِرَةِ، لأولئك الذين كانوا يطمَعون في الزواج من (بينيلوب). وانفتاح القصيدة الواسِع على هذه الرموز، وعلى ما توحي به من دلالاتٍ – في رأي ضياء خضيِّر- ينشئُ نوْعًا من العلاقة الإيجابية بالقمَم الإبداعية التي عرَفَها الأدبُ العالميُّ شعرًا ونثرًا(ص68). وهذا ما يتكرَّر ثانية في تناوله لقصيدةٍ أخرى عن دون كيخوته الإسْباني 1605. فقد استعاد فيها شخصيَّة المورسكي (1) (سيدي حامد بن الأيل) الذي اتخذ منه دليلا إلى مَسْقِط رأس (ثرفانتيس) (ص69) مثلما اتخذ المَعرّي (973- 1057م) من ابن القارح دليلا للعالم الآخر في رسالةٍ الغُفران (449هـ). ومثلما اتخذ دانتي أليغييري (1265- 1321) من (بياتريس) دليلتهُ في الرحلة للعالم الآخر في رائعته التي تشبه رسالة الغفران (الكوميديا الإلهية). ولا تختلف قصيدة(خضراء) التي يمزج فيها الشاعر بين الغناء العراقي الشجيّ الحزين وبين الأغاني الغجرية للإسباني لوركا (1898- 1936) عن قصيدته المذكورة آنفا. إذ يرى المؤلف في كلمة (خضْراء) – وهي عنوان القصيدة- تبئيرًا لرَمْز لوركوي يتكرَّر، ويتواتر، كثيرًا في ديوانه «الأغاني الغجرية» (ص99) وبصفةٍ خاصّة قصيدته (السائر في نومه) التي يقول فيها:
خضراء
لَكمْ أحبُّك أيتها الخضراء
ريحٌ خضراء
غصونٌ خضراء
فهذا اللونُ لدى الشاعر الإسباني الكبير يرتبطُ بدلالاتٍ متعدِّدة، قد يكون من بينها الشفافية الروحية التي توحي بالتفاؤُل، و تومئ للتغيير، والرغبة في الانبعاث، والحبّ (2).
وفي أحَدِ الفصول يلتفتُ خضيِّر لديوان الشاعر المَوْسوم بـ «مملكة عبد الله». و يبدو أنه جمع هذه المقالات، والدراسات، التي كُتبت في أزمنةٍ متباعدَةٍ دون أنْ يعيد فيها النظر، ولو من باب التنسيق. فقد ذكر في المقدمة- مثلما نوَّهْنا – أنّ تناولهُ يقتصرُ على قصائد حميد المنشورة بعد الاحتلال الأنجلو – أميركي للعراق (ص13). وهذا الفَصْل الموسوم بالعنوان (فَحْلُ التوت) يعود بنا لديوان كُتبَ، ونُشر، في 1987. فهو- إذن – يشذ عن سائر الفصول، ولا يتَّسق مع التقْديم. كذلك ينْسحبُ هذا على الفصل الذي يليه، وهو عن قصيدةِ (القارعة) التي ترجعُ هي الأخرى لأشعار حميد في 1987. وفي أحد فصول الكتاب يقفُ عند قصيدة « فَوْضى في غيْر أوانِها « وهذا العنوانُ عنوانُ قصيدةٍ، وديوانٍ، صدرا في 1996. وهذه المَلاحظُ لا تنْتَقِصُ من كتاب د. ضياء خصيِّر الذي عوَّدنا على الدقّة في ما يكتبُ منذ صُدور كتابهِ « الأثرُ الأجنبيُّ في المَسْرح العراقيّ».
هامشان:
(1) شخصية غامضة ذكر مؤلف دون كيخوتة أنه استعان بهذا الشخص في ترجمة ما عثر عليه بالعربية إلى اللغة الإسبانية. وقد يكون الشخص متخيلا لا وجود له في الواقع، لكن بعض الكتابات تصر على أنه مؤرخ مسلم بقي في الأندلس. ويوصف بالمورسكي، وهو اللقب الذي يطلق على من بقي من المسلمين في الأندلس بعد سقوطها بيد الإسبان.
(2) كنتُ قد عرضت لهذا في دراسة لي عن تأثير لوركا في الشعر العربي، إذ وجدت عددا من الشعراء تأثروا بهذا منهم سعدي يوسف والبياتي و محمود درويش ومحمد القيسي. انظر كتابنا: أصداء أندلسية في الأدب المعاصر، ط1، دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2000 ص 43، 54 .