حملة طائفية شعوبية ضد تاريخ العراق

شارك

 

 

د. باهرة الشيخلي

موجة قبيحة في تخريب جماليات العراق

الشيعة في العراق شيعتان: عرب عراقيون شيعة، وخلية سرطانية في جسم التشيّع العربي، وهذه الخلية تعتنق عقيدة مستمدة من التشيع الفارسي الذي قعّد الصفويون في بلاد فارس قواعده حتى أصبح دينا آخر لا علاقة له بالإسلام والتشيع الحقيقي. الموالون للتشيّع الفارسي، وإن كانوا ينتمون إلى عشائر عربية ويحملون الجنسية العراقية لكنهم يغرقون في بحر العرب الشيعة، الذين يمثلهم، الآن ثوار أكتوبر.

ذلك مهم لفهم صورة ما يجري في العراق، حين اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام، بقضية واحدة هي إزالة تمثال مؤسس بغداد المدورة أبوجعفر المنصور.

وهذا التمثال نفسه تعرض لتفجير نفذه هؤلاء الطائفيون، أواسط شهر أكتوبر 2005.

قاد الموجة القبيحة في تخريب جماليات بغداد معمم اسمه جلال الصغير منذ سنة 2003 وعاد سنة 2006 بحملة تعبوية طائفية وشعوبية ضد التاريخ، عندما طالب باستبدال الأسماء التاريخية الرشيد والمنصور والأمين والمأمون بأسماء إيرانية، وامتدت حملته إلى التاريخ وانزلق إلى فخها بعض أساتذة التاريخ في جامعة الكوفة عندما أقدموا على تشكيل محكمة وأصدروا أحكام الإعدام على أسماء ارتحلت عن دنيانا قبل 1400 عام.

عام 2005، كتب الشاعر العراقي الكبير حميد سعيد قصيدة جاءت اعتذارا للخليفة العباسي إثر الهجمة البربرية على تمثاله، وجاءت بيانا تاريخيا أعاد فيه الشاعر الاعتبار، لا إلى المنصور فقط، بل إلى بغداد وإلى التاريخ العربي الإسلامي، ويستعيدها العراقيون في كل مناسبة، وهي تشغل الآن وسائل التواصل الاجتماعي.

إن التاريخ الذي يكتب بقلم واحد وبعقل واحد هو تاريخ لا يستحق القراءة، كذلك فإن بلدا بتاريخ كهذا سيصعب عليه البقاء، كما يقول الكاتب جعفر المظفر وهو عراقي شيعي

تعالوا، الآن، نفتش عمن يكنّ له الفرس الكراهية، لنعرف أن عداءهم للعرب والإسلام لا يرتبط بالدين، كما يزعمون، وإنما يرتبط بغلوائهم القومية، فهم يكرهون الخليفة عمر بن الخطاب لأنه أطفأ نار المجوسية في معركة القادسية والمدائن وأدخل بلاد فارس إلى الإسلام، ويكرهون أبوجعفر المنصور لأنه قتل أبامسلم الخرساني وأنهى نفوذ الفرس في الدولة العباسية، ويكرهون خالد بن الوليد لأنه قتل هرمز، ويكرهون المثنى بن حارثة الشيباني لأنه قتل بهمن، ويكرهون هشام بن عتبة لأنه قتل الهرمزان، ويكرهون هلال بن علقمة التميمي لأنه قتل رستم وهو الذي صاح صيحته المشهورة “قتلت رستم وربّ الكعبة”، ويكرهون القعقاع بن عمرو لأنه قتل الفيرزان على مشارف همدان في معركة نهاوند، ويكرهون النعمان بن مقرن لأنه قائد جيش المسلمين في معركة نهاوند التي تعدّ من المعارك الفاصلة في تاريخ الفتوحات الإسلامية في بلاد فارس، لذلك سُمّيت بفتح الفتوح، وكانت بقيادة النعمان بن مقرن نفسه، ويكرهون سعد بن أبي وقاص لأنه قاد جيش القادسية الذي تباهى به الرسول قائلا “هذا خالي فليرني كل امرؤ خاله”، ويكرهون هارون الرشيد لأنه قضى على البرامكة الفرس، ويكرهون صلاح الدين الأيوبي لأنه أنهى حكم الدولة الفاطمية في مصر.

لو كانوا مسلمين حقا لما نسجوا لكل واحد منهم ألف قصة وألف رواية من الكذب لتشويه تاريخ رموز الإسلام الذين نشروا نوره في أقصى بقاع الأرض، فقط لأنهم دكوا قلاع الشرك وأنهوا دولة الفرس.

إنهم يواصلون نهجهم التخريبي في إعدام هوّية العراق العربية، عبر التخطيط لتفجير ملوية سامراء التي بناها العباسيون بذريعة واهية هي أنها “بنيت فوق قبور آل البيت وأنصارهم”، ويسعون إلى الاستيلاء على قصر الحير بزعم أنه كان سجنا للإمامين علي الهادي والحسن العسكري. ويتدخل السفير الإيراني إيرج مسجدي في شؤون العراق، مطالبا بتقسيم محافظة صلاح الدين إلى محافظتين على أساس طائفي. ويستقتلون على تحويل ملكية مقبرة “أبوالمحاسن” في منطقة الفرحاتية من الوقف السني إلى الشيعي رغم أن المقبرة تدفن فيها عشائر المنطقة موتاها منذ سنوات وهي موقوفة لهم. وتعاني الآثار العباسية من الإهمال والمحو وتعمد شراء الأراضي التي تقع عليها لتدميرها ومسحها من الوجود. ويهدمون قصر بلكوارا، وهو قصر أمر ببنائه الخليفة العباسي المتوكل على الله في جنوب سامراء. ويعتدون باستمرار على قصر الجوسق بمداهمته وبوضع معالم حديثة لتغيير طابعه وطمسه، وحولوا البركة الحسناء التي تغنى بها البحتري إلى محميات لميليشيات موالية لإيران، وسمحوا للعتبة الشيعية بشراء قطعة أرض تبلغ مساحتها 200 ألف متر مربع، تقع ضمن حدود الآثار المحرمة، حسب قانون الآثار العراقي والتي أعلنتها منظمة اليونسكو سنة 2007 من ضمن “المواقع العالمية للتراث”، لإقامة مشاريع دواجن وتربية ماشية لطمس منطقة أثرية تضم أهم المعالم الأثرية المكتشفة غير المنقبة للدولة العباسية.

Thumbnail

إن واحدا من أهداف هذه الحملة الطائفية التي تصاعدت في هذا الوقت بالذات، هي التغطية على مسرحية اعتقال القائد الميليشياوي قاسم مصلح وإطلاق سراحه بصك قضائي يبرّئه من التهم كلها، ولإشغال الناس عن هذه المهزلة. كما تهدف إلى التغطية على من قتل الثوار وكيف بُرّئ مصلح في ساعات وهناك الآلاف مغيبون في السجون لا أحد يسأل عنهم، فضلا عن أن هناك جهات سياسية فاشلة تريد استثمار حوادث التاريخ لأغراض انتخابية من أجل إرباك الوضع لصالحها، كما هي مهزلة محاكمة هشام بن عبدالملك قبل سنوات بمحكمة الكوفة في مسرحية هزيلة مخزية تعبر عن مدى الحقد الفارسي للانتقام من العرب تحت سلسلة من الروايات الكاذبة على مدار التاريخ الإسلامي.

هناك هدف آخر وراء إعدام الآثار الدالة على الهوية العربية للعراق أفصح عنه معمم طائفي تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مطالبته في صفحته الشخصية المسؤولين في بغداد بوضع تمثال الإمام الخميني بدلا من “الفاسق أبي جعفر المنصور” على حدّ قوله، وتغيير اسم منطقة المنصور إلى روح الله وتغيير اسم شارع الرشيد إلى شارع الحاج قاسم (سليماني)، وهذا الكلام ردّده معممون وطائفيون آخرون ضمن هذه الحملة القبيحة.

إذا حسبنا أن إزالة رأس المنصور قد تمت لأسباب ثأرية، فهل يعني ذلك أن علينا أن نتوقع في وقت آخر، تغيير اسم بغداد نفسها التي بناها المنصور إلى اسم من أسماء أئمة الشيعة؟

إن التاريخ الذي يكتب بقلم واحد وبعقل واحد هو تاريخ لا يستحق القراءة، كذلك فإن بلدا بتاريخ كهذا سيصعب عليه البقاء، كما يقول الكاتب جعفر المظفر وهو عراقي شيعي.

سادت بعد الاحتلال، ظاهرة نصب تماثيل باهتة نحتا ومعنى وذوقا، أنفقت عليها الدولة مئات المليارات من الدنانير العراقية لتشويه واقع الفن في العراق لأناس لا علاقة لهم بالفن من قريب أو بعيد، وإنما فقط لنهب الأموال بصفة مسوغة من خزينة الدولة قابلها رفع التماثيل التاريخية المهمة، في حين أن في العراق فنانين مبدعين عالميين بحق، كما قال لي الأمين العام لجائزة أوروك الدولية النحات ثامر الناصري الذي دعا إلى الحفاظ على قيمة الأعمال الجميلة، مطالبا كل المعنيين أن ينقذوا بغداد وأن تبقى شامخة بجمالية منجزاتها التشكيلية المهمة، وأن يحافظوا عليها.

خلاصة القول إن دعاة الحملة الجديدة لإزالة التماثيل المرتبطة بحقبة حكم حزب البعث والرئيس الراحل صدام حسين يستهدفون إحياء المشاعر الطائفية وإثارتها لتكون غطاء يخفي المنهج الإيراني لمسخ الهوية العراقية، بعد أن تراجعت حدة الطائفية في السنوات الأخيرة للحصول على مكاسب سياسية في الانتخابات العامة المقررة في أكتوبر المقبل، وبعد تصدّع سمعة بعض الجماعات بين أوساط المواطنين الشيعة، وقد فات هؤلاء أن مساعيهم هذه تذهب أدراج الرياح، بعد الوعي الواسع الذي خلقته ثورة أكتوبر الشبابية في العراق، وبعد كل ما عاناه العراقيون من حكم الطائفيين ودعاة المحاصصة والتقسيم.

ثورة أكتوبر تنشد المستقبل بينما الطائفيون مازالوا يلعبون في ملعب أنشئ قبل 1400 سنة.