جهنمات يوسا التي يعيشها العراق

شارك
ليست الجائحة الخمينية التي يحاول النظام الإيراني فرضها على العراق وعلى غيره من البلدان العربية والإسلامية تختلف كثيرا في ما تحاول فرضه من سلوكيات وأفكار أسطورية عن الجائحة الداعشية.
الجائحة الخمينية

ماريا فارغاس يوسا، كاتب من بيرو، من مواليد العام 1936، اختار الإقامة في إسبانيا، ويحمل الجنسية الإسبانية، ونال جائزة نوبل في العام 2010، أتوقف عنده، الآن، وأنا أستعيد جريمة احتلال وطني بتاريخ التاسع من أبريل 2003، إذ وقف يوسا موقفا ملتبسا من الاحتلال الأميركي للعراق، وشجع، وقتذاك، رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أثنار على زج الجيش الإسباني في ذلك العدوان، مع أن أثنار لم تكن به حاجة إلى من يشجعه، فقد كان منحازا إلى السياسات الأميركية دائما، وكانت هزيمته في انتخابات العام 2004 أحد أسبابها انحيازه هذا.

أما يوسا، وهو كاتب كبير، بل هو من أهم مبدعي هذه المرحلة، فقد أثار موقفه الكثير من التساؤلات والاعتراضات في الأوساط الثقافية، في إسبانيا وأميركا اللاتينية.

ومن المفارقات أن يوسا أصدر كتابا مشتركا بعنوان “يوميات العراق” مع ابنته المصورة التي زارت العراق وصورت حالات مأساوية مما عاشه العراقيون من دمار وتخريب وقتل ونهب، واعترف يوسا بأن ما جرى في العراق تحت وطأة الاحتلال، انتهاك لقوانين الشرعية الدولية والقيم الأخلاقية والأعراف الإنسانية، ولعل المفارقة الصارخة، في قوله: إنه يجهل الدوافع التي قادت رئيس وزراء إسبانيا، أيام ذاك، أثنار لدعم العدوان الأميركي الذي أدى إلى احتلال العراق.

لقد قرأت حوارا مع يوسا، أجرته معه الشاعرة اللبنانية جمانة حداد، وحين سألته عن التغيير المفروض من الخارج، قائلة: إنه يؤدي إلى كوارث كما حصل في العراق.

فأجابها: أنت على حق، فحين حاولت الديمقراطيات أن تفرض نفسها، خلقت جهنمات كثيرة.

ويبدو لي أن ما أشار إليه يوسا بشأن جهنمات التدخل الخارجي، وهو تدخل بالقوة الغاشمة، صحيح من جهة، لكنه ناقص من جهة ثانية، فليست هذه الجهنمات تقترن بمحاولات الديمقراطيات، وحسب وصف يوسا في فرض نفسها، بمعنى فرض تجاربها وتوصلاتها ومسارات تطورها على الآخرين، بل هي نتاج جميع أنواع التدخل الخارجي، مهما كانت مسوغات هذا التدخل وأغطيته، ومهما كانت أنواع القوى التي تحاول فرض خياراتها، فكرية كانت أم عملية، ليس لأنها تجعل من هذه الخيارات غطاء لمصالحها حسب، بل لأنها تتجاوز على خصوصيات الشعوب وعلى تاريخها وكرامتها الوطنية.

انتفاضة تشرين التي انطلقت في بغداد وجميع مدن جنوبي العراق ووسطه، ومازالت تواصل حضورها وتأثيرها، إلا الرد الحاسم على جهنم الاحتلال ومخرجاته

ونستذكر هنا مثالين، الأول هو المثال الأفغاني، يوم كانت أفغانستان تحاول أن تجد طريقها الخاص في بناء دولة حديثة، في ظل مؤثرات اجتماعية وتاريخية ودينية، فيأتي التدخل السوفييتي الذي لم يحسب أي حساب لجميع المؤثرات التي أشرنا إليها، ويحاول من خلال جهلاء بتلك المؤثرات، ومن يمتلك معرفة ما بها، فهي معرفة سطحية لا غير، لذلك كان من نتائج التدخل، استفزاز جميع طاقات الرفض والانكماش والتقوقع، استطاعت أن تهزم ذلك التدخل بجميع نتائجه، لتحل جهنم أخرى بدلا عن جهنم التدخل السوفييتي، هي جهنم العنف وارتباك الوعي وغياب القدرة على إدراك المتغيرات.

أما المثال الثاني، فهو ما كان من جهنم داعش، وتجربة إمارته المهزلة في الموصل، فهذه المدينة الحضارية بتاريخها ومجتمعها وإنسانها، بتعدديتها الدينية والقومية، وما تحتفظ به من كنوز الآثار وفرائد التراث، وما تضم من صروح معمارية تتمثل في الجوامع والكنائس والأديرة والقصور والخانات والأسواق، وبجديدها المتمثل في جامعتها التي كانت واحدة من أهم الجامعات في الوطن العربي، بمناهجها وإنجازاتها العلمية وفطاحل أساتذتها، حتى أنها تقدمت على الجامعة الأم في العراق، جامعة بغداد.

وبتماثيلها ونصبها ونتاجات فنانيها في الرسم والخط والموسيقى، ويكفي أنها مدينة ملا عثمان الموصلي، الأب الحقيقي لكل ما شهدته الموسيقى العربية من تجديد، والمعلم المتميز للقراءات القرآنية المعاصرة، وبالإضافة إلى ما ذكرناه كله عن مدينة الموصل، فهي المدينة التي عرف مجتمعها بتدينه من دون تطرف وبعروبته من دون تعصب.

في مثل هذه المدينة تحل جائحة التدخل الداعشي، فتهدم الآثار وتحطم النصب والتماثيل وتحرق اللوحات التشكيلية وتحاسب رجالها على طول اللحى أو قصرها وطول الدشاديش أو قصرها، وتعاقب النساء حين لا يضعن الخمار على وجوههن، والموصل هي المدينة التي كانت معظم المعلمات في بداية التعليم الحديث في العراق منها وكذلك معظم الممرضات والكثير من الطبيبات.

وليست الجائحة الخمينية التي يحاول النظام الإيراني فرضها على العراق وعلى غيره من البلدان العربية والإسلامية، تختلف كثيرا في ما تحاول فرضه من سلوكيات وأفكار أسطورية، عن الجائحة الداعشية، لأنها تعتمد في تسويق جهلها وجهالتها على أكثر المخلوقات جهلا وجهالة، وتتناسى أن مدينة النجف، مثلا، هي مدينة التنوير والمتنورين، مدينة علي الشرقي والجواهري والصافي النجفي ومحمد صالح بحر العلوم وصالح الجعفري، مدينة عبدالرزاق محيي الدين ومهدي المخزومي وغيرهم، لذلك كان رد فعل المجتمع العراقي عاصفا، ضد التدخل الإيراني، وقد ظهر ذلك جليا في ما عبر عنه العراقيون بعامة، والشباب منهم على وجه خاص من رفض للاحتلال بجميع مخرجاته، وعدّوا الجائحة الإيرانية من أسوأ هذه المخرجات، وما انتفاضة تشرين التي انطلقت في بغداد وجميع مدن جنوبي العراق ووسطه، ومازالت تواصل حضورها وتأثيرها، إلا الرد الحاسم على جهنم الاحتلال ومخرجاته.

إن أمثولة يوسا، التي ابتدأتُ بها مقالتي هذه، وتراجعه عن موقفه في تشجيع أثنار رئيس وزراء إسبانيا لمشاركة القوات الأميركية في عدوانها على العراق، تحيلنا إلى مواقف بعض القوى السياسية وبعض المثقفين، ممن اندفعوا في تأييد الاحتلال وانساقوا إلى خدمة المحتلين، ومن الطبيعي أن تكون لكل منهم حساباته في تأييد الاحتلال، لكنها لا تتجاوز الجبن والبحث عن المكاسب ونيل رضا رموز النظام الجديد، غير أن معظمهم غطى سقوطه بغطاء معارضة النظام الوطني الذي استهدفه الاحتلال، وبعضهم كان من المعارضين فعلا، وهذا خياره، لكن هل يحق للمعارض الوطني أن يرحب بالاحتلال ويتعاون مع المحتلين؟

وما نشهده، الآن، في عراق جهنم الاحتلال، الذي حاول بعضهم أن يصوره فردوسا، وبعد أن باعد صراع المصالح بين طرفي الاحتلال، الولايات المتحدة وإيران، أن صار الانحياز علنيا إلى أحد طرفي الاحتلال، وكأن الصراع بين حزبين، والصراع بين ممثلي الطرفين على المواقع التي تكرس وجود الطرف الذي يمثله، وليس بين الجدير والأكثر جدارة والأحق بهذا الموقع والأكثر أحقية، لكن لا غرابة في هذا كله، والعراقيون يعيشون في جهنم من جهنمات يوسا.