تحت شعار “أنقذُوهم من الغرق ثم ارمُوهم على الحدود السورية”

شارك

ترحيل الناجين من غرق مراكب الهجرة في لبنان أول مراحل إعادة اللاجئين إلى سوريا.

كل من ينجو من الغرق يعاد إلى سوريا رغما عنه

تتزايد المشكلات المتعلقة باللاجئين السوريين في لبنان حدة، حيث ارتفع منسوب العنف ضدهم في الداخل اللبناني وتصاعدت الدعوات المنادية بضرورة إعادتهم إلى ديارهم، فيما صار عناصر أمن السواحل يتخذون تدابير مخالفة لحقوق الإنسان حيث يعيدون الناجين من غرق مراكب الهجرة غير الشرعية إلى سوريا دون توضيح لسلوكياتهم هذه.

طرابلس (لبنان) – تتعامل وحدات الأمن اللبناني مع اللاجئين السوريين الذين يحاولون اجتياز حدودها البحرية بطرق غير شرعية نحو أوروبا بشعار “أنقذوهم من الغرق، ثم ارموهم على الحدود السورية” غير آبهة بالخطر الذي تعرضهم إليه إن كان بعضهم ملاحقا أمنيا أو من المعارضة وألقت به بين يدي نظام بشار الأسد.

ومنذ انهيار الاقتصاد اللبناني في 2019 حاول عدد متزايد من الأشخاص، ومعظمهم من اللاجئين السوريين والفلسطينيين ولكن أيضا من المواطنين اللبنانيين، مغادرة البلاد والوصول إلى أوروبا عن طريق البحر، لكن غالبا ما كانت محاولاتهم مميتة.

محمد صلبوح: ترحيل الناجين انتهاك لحقوق الإنسان والقوانين اللبنانية
محمد صلبوح: ترحيل الناجين انتهاك لحقوق الإنسان والقوانين اللبنانية

وفي ليلة رأس السنة الجديدة انهار قارب صغير كان يحمل أكثر من 230 مهاجرا، معظمهم من السوريين، سرعان ما غرق بعد خروجه من الساحل الشمالي اللبناني.

وهذه المرة، تمكنت أطقم الإنقاذ من البحرية اللبنانية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة المنتشرة على طول الحدود مع إسرائيل من إنقاذ جميع الركاب باستثناء اثنين هما امرأة سورية وطفلها توفيا غرقا في حين كانت الإغاثة سريعة بالنسبة إلى العديد من الناجين.

وتعافى اللاجئون خلال الليل بعد إعادتهم إلى ميناء طرابلس. وقال بعض الناجين ومراقبو حقوق الإنسان إن الجيش اللبناني حمل ما يقرب من 200 سوري نجح في إنقاذهم في شاحنات وألقى بهم على الجانب السوري من معبر حدودي غير رسمي في وادي خالد، وهي منطقة نائية في شمال شرق لبنان.

ولم يتضح بعد من أمر بترحيل الناجين، لكن الحادث يمثل تصعيدا واضحا في عمليات ترحيل الجيش اللبناني للسوريين في وقت تصاعد الخطاب المناهض للاجئين في لبنان الذي يعاني من الأزمات الاقتصادية والسياسة. ولم يستجب المسؤولون في الجيش والأمن العام المسؤول عادة عن إدارة قضايا الهجرة لطلبات متكررة للتعليق.

واعترض رجال يرتدون زي الجيش السوري الناجين من القارب بمجرد وصولهم إلى الجانب الآخر من الحدود واحتجزوهم حتى دفع أفراد عائلاتهم مقابلا لإطلاق سراحهم وإعادة المهربين لهم إلى لبنان.

وقال ياسين الياسين، البالغ من العمر 32 عاما، وهو لاجئ سوري يعيش في لبنان منذ 2012، إن “المسألة كانت بيع الناس وشراءهم”.

وذكر أنه دفع ما مجموعه 600 دولار بين الجيش السوري والمهربين لإعادة شقيقه إلى لبنان. ولم يرد مسؤولون سوريون على طلبات للتعليق على الأمر.

وقال محمود الديوب، وهو لاجئ يبلغ من العمر 43 عاما من حمص السورية كان من الناجين من القوارب، إنه سمع خاطفيه وهم يتفاوضون على سعر كل محتجز.

وتابع الديوب، المسجل كلاجئ في لبنان منذ 2012، “لا أعرف ما إذا كان المتحدثون من الجيش السوري أم من المهربين”.

وقال “كان هناك 30 شخصا يحيطون بنا بالبنادق ولم نكن نعرف ما الذي يحدث. كل ما اهتممت به هو عدم نقلي إلى سوريا، فقد لا أعود إذا حدث ذلك”. وأضاف أنه تمكن من الهرب والعودة عبر الحدود، ولم تدفع عائلته أيّ فدية.

ويقول مراقبو حقوق الإنسان إن قضية الناجين من القوارب تعدّ منعطفا جديدا مقلقا في جهود لبنان لإعادة اللاجئين السوريين المستمرة إلى ديارهم.

قضية الناجين من القوارب تعدّ منعطفا جديدا مقلقا في جهود لبنان لإعادة اللاجئين السوريين المستمرة إلى ديارهم

ويستضيف لبنان حوالي 815 ألف لاجئ سوري مسجل وربما مئات الآلاف من غير المسجلين. لكن منذ الانهيار الاقتصادي في البلاد قبل ثلاث سنوات، دعا المسؤولون اللبنانيون بشكل متزايد إلى عودة جماعية للسوريين.

وحاولت وكالة الأمن العام في لبنان إقناع اللاجئين بالعودة إلى ديارهم طوعا، دون نتائج تُذكر. وأشرفت الوكالة على ترحيل أشخاص إلى سوريا في بعض الحالات مستشهدة بقانون 2019 الذي يسمح بترحيل اللاجئين غير المصرّح لهم والذين دخلوا لبنان بعد أفريل من تلك السنة.

وأشارت تقارير منظمات حقوق الإنسان إلى حالات إعادة اللاجئين المحتجزين قسرا والتعذيب، وهي مزاعم نفتها السلطات اللبنانية. وشملت عمليات الترحيل في الغالب حتى وقت قريب أعدادا صغيرة من الأشخاص بموجب إجراءات رسمية، مما منح الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان فرصة للتدخل ووقفها في بعض الحالات.

وقال محامي حقوق الإنسان اللبناني محمد صبلوح إن ما حدث للناجين من القوارب يعتبر “انتهاكا لحقوق الإنسان والقوانين اللبنانية والمعاهدات الدولية”.

وقالت المتحدثة باسم وكالة الأمم المتحدة للاجئين في لبنان ليزا أبوخالد إن المفوضية “تتابع مع السلطات المختصة” بشأن القضية. وإن فرصة طلب الحماية “يجب أن تتاح لجميع الأفراد الذين يتم إنقاذهم في البحر والذين قد يخشون العودة إلى بلدانهم الأصلية”. ويعيد الجيش اللبناني بانتظام الأشخاص الذين قُبض عليهم أثناء عبورهم الحدود بشكل غير قانوني من سوريا.

Thumbnail

وقال عضو مجلس النواب عن منطقة عكار الشمالية (التي تضم وادي خالد) جيمي جبور إنه عندما تعترض دوريات الجيش المهاجرين المحتملين الذين عبروا الحدود إلى لبنان عبر طرق التهريب، فإنها غالبا ما تعتقلهم وتلقي بهم في المنطقة العازلة على الحدود، بدلا من الشروع في إجراءات الترحيل الرسمية.

ودفع المرحلون بعد ذلك ببساطة للمهربين لإحضارهم مرة أخرى على حد قول جبور، مضيفا أنه اشتكى للجيش من هذه الممارسة. وقال “ليست مهمة الجيش خلق فرص عمل للمهربين. إن مهمة الجيش هي تسليمهم إلى الأمن العام… ومن المفترض أن يسلمهم الأمن العام إلى السلطات السورية”.

وعلى عكس المهاجرين الذين دخلوا حديثا، كان من بين الناجين من قوارب ليلة رأس السنة الجديدة لاجئون كانوا يعيشون في لبنان لأكثر من عقد ومسجلين لدى الأمم المتحدة.

وقالت إحداهن، وهي امرأة سورية من إدلب تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها خوفا من الانتقام، إنها أمضت ليلتين محتجزة على الحدود قبل أن يدفع أقاربها 300 دولار لإعادتها إلى لبنان. وقالت “لا أستطيع العودة إلى سوريا. أفضّل أن ألقي بنفسي في البحر وأموت”.

وقالت مديرة معهد دراسات الهجرة في الجامعة اللبنانية الأميركية ياسمين ليليان دياب إن العديد من اللاجئين يختارون البحر لتجنب الترحيل. وذكرت أن معهدها وجد طفرة في قوارب المهاجرين التي تغادر لبنان في أواخر 2022، وأخبر البعض فريقها من الباحثين أنهم غادروا بسبب الخطاب العدواني المتزايد ضد اللاجئين. وقالت دياب إنهم كانوا يخشون من “حدوث عمليات ترحيل وأن تتم إعادتهم إلى سوريا، فشعروا أنها فرصتهم الوحيدة للخروج من لبنان”.