امنية .. ولكن ١

شارك
قصة للكاتب

 حسين علي – العراق

فجاءة تلاشى حلمه وأنهالت عليه الأحزان بكل صخورها القاسية وأصبح قلبه متصدعاً كحجرته العتيقة، لم يكن يدري ماذا يصنع أمام هذا السيل من الهم ومآسي الحياة وفقرها المدقع، حتى نظرات زوجته إليه تصيبه باليأس والحيرة.
كل يوم تسد رمقهم كسرة خبز مبللة بالماء لتكون سهلة المضغ.
أسند مرفقه على الأريكة التي تتوسط فناء الحجرة.
أشعل سيجارة وراح ينفث دخانها في فضاء الحجرة فيتسلل بين شقوق الجدران ويغزو بيت العنكبوت الذي تموضع في إحدى الزواية، بينما راحت زوجته تحشو الشقوق بقطع قماش بالية، آمالت برأسها إليه ثم أردفت:
– ماذا قلت؟
– كيف تطلبين مني أن أفعل ذلك وكيف أخون وصية أخي وزجته؟
صارخة..
– دعك من المثاليات! فمنذ أن تزوجنا وأنت تشكو ضعف الحال.
يتلكئ بالحديث ثم ينظر إليهما وهو يذرف دمعته.
– لماذا تبكي، أترضيك حالتنا التعيسة بينما نصفنا يأكل قمامة النصف الآخر؟
– هل أصبح حالنا مرهوناً به، ماذا سأقول لربي؟
– الأرض ليست مثالية والبشر كذلك!
متأففة ثم تغادر الحجرة وهي تمتم.
تتلقفه الهموم ويُمزق بين أنيابها ثم تمضغه في وجع الأيام. يجرفه وجع الفاقة كل حين وهو يقبع في الدرك الأسفل من الجوع والحزن، حيث أعتاد النوم على معدة فارغة، شاحبه وسط ملذات تجوب عقله وتغري نفسه وأحلام نسجتها أمنياته كنزة يرتديها شتاءً وصيفاً.
يتفاقم الصراع في داخله بين جانبي الخير والشر حيث يزداد هذا التصادم في كل أجزاء نفسه بين الرغبة والإمتناع لما تطلبه زوجته بإستمرار، فأحياناً الأفكار السيئة تتلقفه وتكون بإتصال وثيق مع جانبه الحسي بينما جانبه العقلي والروحي مغيب.
كالأرجوحة يتأرجح بين نظرات إبن أخيه البريئة ولوم زوجته كل حين، ذاك الصراع يكبل كيانه وخلجات نفسه الضالة.
ذات مساء بعدما خلع ثياب العمل، أستهل حديثه ببسمة قائلا:ً
– وجدت من سيحقق كل أمنياتنا.
– ماذا؟! بينما تضع من يدها أكياس الخضار.
– طلب مني أن التقيه غداً.
– كم عرض من المال؟
– مالم نحلم به يوماً.
– طيب، ماذا ستقول له؟ بينما تشير برأسها نحوه.
– لا أعلم، ربما أُقنعه بأن َيُخضع لفحص بسيطة.
– جيد، حبيبي سيتغير حالنا إلى الأفضل. علامات السعادة تملأ سحنتها.
– أتعلمين، أصبحنا لا نفرق شيء عن اللصوص!
– لصوص صغار. مع قهقهة ساخرة
– عزيزتي، في أيامنا يوجد لصوص صغار وكبار، فاللصوص الصغار هم أكثر ملاحقة ومتابعة ولذلك يقوم اللصوص الصغار بالإحتماء باللصوص الكبار ليقدموا لهم الدعم والحماية عبر نفوذهم وبالمقابل يقوم اللصوص الصغار بتقديم خدمات بطاعة عمياء ومع كل ذلك تكون حصتهم فتافيت مقارنة مما يجنيه اللصوص الكبار ومتى أنتفت الحاجة منهم يسحقون تحت أحذية القانون.
– آه.. كم هي الحياة غير عادلة وقد تعبنا ونحن نسحق على سكتها بإستمرار.
– أتعلمين.. الإنسان أخطر المخلوقات على الأرض.
ثم ينظر إليه بعينين مغرورقتين بينما إبنه يلعب معه ويتبادلا الضحكات والمرح.
في مساء العاشر من مارس أنطوى على نفسه في بيته الفخم ينهشه الوجع والندم كما تُلتهم الفريسة من السباع.
إنهيار يتبعه إنهيار يدفنه في مقبرة الحياة، إذ يتحسس يديه التي وارتا الثرى على أعز شيء في قلبه، فمنظر الدم الذي يغطي كلا كفيه بينما يمسحه من رأس إبنه المتهشم تحت عجلات شاحنة متهورة يغزو عقله وحياته كل صبح ومساء وحتى قبر زوجته التي قضت نحبها حزناً على فلذة كبدها. تداهمه الذكرى كل حين بينما يرى الأيام تتسارع على عجالة لينفى بصيراً وحيداً في زوايا بيته تحت رعاية إبن أخيه ذو الكلية الواحدة يعجنه الألم والندم.
حسين علي/العراق