القرد الذي اغضب ستالين

شارك

د. جودت هوشيار

في عام 1946 اعادت مجلة ” زفيزدا ” الأدبية نشر قصة ميخائيل زوشينكو (1894-1958) المكتوبة للاطفال ” مغامرات قرد “. وكانت القصة قد نشرت قبل ذلك بعام واحد في مجلة فكاهية للاطفال بموافقة الرقابة ، ودون أن تثير الأنتباه أو النقد. ولكن اعادة نشر القصة – ومن دون موافقة المؤلف – ، أثارت هذه المرة موجة عارمة من المقالات التحريضية ضد الكاتب في كبريات الصحف والمجلات المركزية . مقالات أشبه بتقارير المخبرين السريين . فما الذي حدث ؟

الشعب الروسي المستاء من الإجراءات القمعية الستالينية ، لم يجد أمامه سلاحاً سوى التذكير بماضي ” القائد العظيم ، أبو الشعوب “. واطلق الروس على ستالين لقب ” ماسح الاحذية ” فقد كان ستالين في يفاعته يمارس هذه المهنة – وليس في ذلك غضاضة – ولكن أن يكون ” ماسح الاحذية ” زعيما مطلقا للأمبراطورية السوفيتية ، فهذا أمر يثير السخرية . وكان كل من ينعت ستالين بـ” ماسح الاحذية ” يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين خمس الى عشر سنوات .

قصة ” مغامرات قرد ” تسرد حكاية قرد هرب من حديقة الحيوانات ،عندما قصفت الطائرات الألمانية تلك الحديقة ، ودمرت القفص الذي كان يحتجز فيه قرد صغير، ليقع بين أيدي البشر، الذين أذاقوه من العذاب والألم ما جعله يتمنى العودة الى القفص . وقد وردت في القصة فقرة اثارت غضب ستالين :” هذا هو الكلب جالس ، صغير الحجم ، بني اللون على غرار ماسح الأحذية”. وليس من الواضح ان كان الكاتب قد فعل هذا عن قصد أو دون قصد ، ولكنه تطابق مصادفة مع ما هو شائع بين الناس. وعلى اية حال فقد كانت تداعيات ذلك مدمرة لزوشينكو . حيث تم حظر نشر اي نتاج جديد له ، وفصل من اتحاد الكتاب السوفيت ، ومر بفترة عصيبة من حياته ، لأن منعه من النشر لم يكن مجرد قطع مورد رزقه ، بل الحكم عليه بالموت ككاتب. واعتزل الحياة في منزله في ضواحي لينينغراد ، ثم استبدله بشقة صغيرة ليعيش من فرق السعر ولو الى حين .

كانت معاقبة زوشينكو وسيلة لترهيب كل من تسول له نفسه نقد النظام ، او حتى التفكير في ذلك . وجمع ستالين أبرز الأدباء في اجتماع حاشد ،انتقد فيها ما سمّاه بالأنحراف عن الخط الأيديولوجي للحزب والدولة في مجال الآداب والفنون ، واستشهد بنتاجات زوشينكو كأبرز دليل على هذا الإنحراف وقال : ” لا ينبغي على المجتمع ان يعيد بناء نفسه وفقاً لزوشينكو ، بل على زوشينكو ان يكيّف نفسه وفقا للمجتمع ، وان لم يفعل ذلك ، ليذهب الى الجحيم .! ” . ثم صدر في اغسطس 1946 قرار من الحزب – أعده عضو المكتب السياسي ورئيس القسم الأيديولوجي في الحزب الشيوعي السوفيتي أندريه جدانوف (1948-1896) ،– بتشديد الرقابة على المطبوعات ، وتضمن القرار وصفاَ مهيناً وجارحاً لزوشينكو ، أدي الى تردي حالته النفسية وتحطيمه معنوياً . وربما يتساءل البعض ، لماذا لم يقم ستالين بتصفية زوشينكو ، كما فعل مع بابل وبيلنياك وكولتسوف وماندلشتام وعشرات غيرهم من كبار الكتاب والشعراء ؟ . أغلب الظن أن شعبية زوشينكو كانت كاسحة ، وإعدامه كان سيقابل بأستنكار واسع في الداخل والخارج . لذا قضّل ستالين تصفيته بالتجويع وتحطيمه معنويا ، وقد وفق في ذلك الى حد كبير .