الـرفـاق الأعــزاء Dear Comrades

شارك

هادي ياسين 

مات الزعيم السوفييتي الأشهر ” جوزيف ستالين ” في 5 مارس / آذار من عام 1953 . في ذلك اليوم تزلزت بلدان المنظومة السوفييتية جميعها ، و في مقدمتها روسيا ، و تحديداً عاصمتها ” موسكو ” ، فزحفت الجموع كسيل جارف ،

من أجل إلقاء النظرة الأخيرة على الزعيم الشيوعي الأبرز ، و كان معظمهم يجهش بالبكاء بصدق ، فيما حسب البعض أن عقد الإتحاد السوفييتي سينفرط .

و كان على القياديين السبعة ، أعضاء الحزب الشيوعي ، أن يختاروا أحد الثلاثة لخلافة ” ستالين ” ، و هم ” فياتشيسلاف مولوتوف ” و ” جورجي مالينكوف ” و ” لافرينتي بريا ” ، و هم الثلاثة المقربون جداً من ” ستالين ” ، فتولى ” مالينكوف ” خلافته فترة من الزمن ، و إذ كان ” بريا ” يطمح في أن ينفرد بالحكم على غرار زعيمه ” ستالين ” فقد أزيح ، و إعتُقل ــ في مابعد ــ و اُعدم . فإنتهز القيادي ” نيكيتا خروتشوف ” الفرصة ، فقفز الى الواجهة ، فإستطاع أن يزيح ” مولوتوف ” و ” مالينكوف ” ليتولى زعامة الإتحاد السوفييتي .

ولكن ما أن عُقد المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي ، عام 1956 ، حتى فجّر ” خروتشوف ” قنبلة مدوية هزت الحزب من أساسه و هزت جمهوريات الإتحاد السوفييتي برمتها و أصابت العالم بالذهول ، حين ألقى خطابه المدوّي في المؤتمر و كشف فيه السجل الإجرامي و الديكتاتوري لـ ” ستالين ” .

إثـْـرَ ذلك الخطاب ، لم تتزعزع صورة ” ستالين ” لدى الشيوعين و عامة الناس حسب ، بل تمزقت ، و تسببت بخيبة عميقة . يقول الشاعر الروسي ” يڤـغيني يڤـتوشينكو ” ( 1932 ــ 2015 ) في مذكراته التي بعنوان ( العمق الرمادي ) ــ ترجمة ” إدريس الملياني ” ــ : ( لقد كنتُ أشعر في وقت من الأوقات بمسؤوليات ستالين . غير أني لم أستطع بعد تقرير خروتشوف تقدير حجم إجرامه ، و أظن أن معظم الروس كان لديهم نفس هذا الشعور . كان الناس يغادرون الإجتماعات التي قُرئت فيها هذه الوثيقة التاريخية منهارين و منكسين رؤوسهم ) . و بطبيعة الحال أدرك العالم ، و الروس بالدرجة الأولى ، أن مئات الآف من الروس قد ذهبوا ضحايا لجرائم حكم ” ستالين ” ، و أدركوا أن الوحش الذي كان يقف وراء هذه الجرائم و الذي يحدد الضحايا و يخطط و يأمر للإيقاع بهم هو ” لافرينتي بريا ” وزير داخلية ” ستالين ” و مساعده الإجرامي الأول ، الذي اُعدِم لاحقاً ، و الذي يقول ” يڤـتوشينكو ” عنه : ( إن الرصاصة التي اُطلقت على رأس ” بريا ” كانت رصاصة عادلة ، غير أنها عدالة متأخرة مع الأسف ) .

بطبيعة الحال لا أحد ينكر أن ” ستالين ” بنى روسيا قوية ، ولكنه حدّ من الحريات في روسيا و في عموم جمهوريات الإتحاد السوفييتي و ارتكب تلك الجرائم التي أماط ” خروتشوف ” اللثام عنها .

إكتسب ” خروتشوف ” شعبية واسعة حين أفرج عن المعتقلين السياسيين و عمل على تطوير الإقتصاد الزراعي و تحسين الوضع المادي ، ولكن كل ذلك حصل في إطار الأيديولوجية الشيوعية ذاتها . و كما يذكر ” يڤـتوشينكو ” ــ في ذات مذكراته ــ إن شابةً ذكرت أن ( الثورة قد ماتت ) فإن سيدة عجوزاً تؤنّبُها بالقول أنها ( لم تمت بل مرضت ) . و ذلك صحيح فقد استمر مرض الأيديولوجية الشيوعية حتى انهارَ ( الإتحاد السوفييتي ) برمته عام 1989 .

فيلم ( الرفاق الأعزاء ) يتطرق الى حقبة من حكم ” خروتشوف ” ، و تحديداً عام 1962 ، عندما حصل إضرابٌ عمالي ، بسب سوء الأحوال المعيشية ، حين شحت المواد الغذائية و ارتفعت أسعارها و حُفّضت الأجور . و الإضراب هو حالةٌ نادرة في روسيا السوفييتية ، بل معدومة ، و لا تسمح السلطات به مطلقاً ، خاصة في مثل هذه الحالات ، كونه يشكل فضيحة للإشتراكية الشيوعية . الإضراب حصل في مصنع للقاطرات في مدينة ( نوفوتشركاسك ) التي تقع في الجنوب الغربي الروسي ، و حدثت أعمال شغب في اليومين الأول و الثاني من شهر يونيو/ حزيران 1962 ، فتصدت القوات الأمنية للمتظاهرين بقسوة ، بأمر من ” خروتشوف ” نفسه ، مستخدمة المدرعات حتى ، و أسقطت 26 قتيلاً من المتظاهرين و 87 جريحاً ، فسُميت تلك الواقعة بـ ( مجزرة نوفوتشركاسك ) ، ولكنها كانت طي الكتمان ، غير أنها حُفظت في الذاكرة الجمعية الروسية ، و الآن يستذكرها الروس كل عام . و هذا الفيلم تخليد لذكرى ذلك الإضراب و تلك المجزرة التي كان الكاتب الروسي المنشق ” ألكسندر سولجينيستن ” ( 1918 ــ 2008 ) هو أول من لفت الإنتباه إليها .

في العقد الأخير من القرن الحادي و العشرين تكرست ظاهرة العودة الى سينما ( الأسود و الأبيض ) ، و راحت أفلام ( الأسود و الأبيض ) تحصد الجوائز الكبرى ، كما حصل لفيلم ( الفنان The Artist ) الفرنسي الصامت الذي حصد خمس جوائز أوسكار عام 2011 ، و وصول الفيلم البولندي ( حرب باردة Cold War ) الى القائمة القصيرة للأفلام الناطقة بلغة أجنبية و المُنتَج عام 2018 ، و الفيلم المكسيكي ( روما ) الذي فاز بجائزة بافتا و ترشح لجائزتي أوسكار عام 2018 . هذا العام ( 2021 ) ترشح فيلمان ــ بالأسود و الأبيض ـ للأوسكار هما : الفيلم الأمريكي ( مانك Mank ) الذي تدور أحداثه في أربعينيات القرن الماضي ، و حصل على 10 ترشيحات ، و الفيلم الروسي ( الرفاق الأعزاء Dear Comrades ) الذي تدور أحداثه في الستينيات ، و الذي كان قد حصل على جائزة مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي ( 2020 ) و جائزة لجنة التحكيم لمهرجان البندقية السينمائي الدولي ( 2020 ) .

تأتي أهمية فيلم ( الرفاق الأعزاء ) من كونه يتناول قضية سياسية روسية داخلية حصلت في فترة الحرب الباردة بين الأتحاد السوفييتي ( السابق ) و الولايات المتحدة ، و لم يتم التطرق إليها سينمائياً ، و هي قضية يهم الولايات المتحدة ــ سياسياً ــ تناولها ، على الرغم من إنتهاء الحرب الباردة . و كانت السلطات السوفيتية قد طمست ملف إضراب عمال مدينة ( نوفوتشركاسك ) بعد أن طمرت جثث الضحايا في قبور مجهولة ، و شوهت الحقائق على الطريقة السوفييتية ، تلك التي وصفها الروائي الإنجليزي ” جورج أرويل ” ( 1903 ــ 1950 ) في روايته الشهيرة ( 1984 ) التي يتناول فيها الحقبة الستالينية . و بالتالي لم يشر أحد الى مجزرة ( نوفوتشركاسك ) في العلن قبل ” سولجينيستن ” في روايته الوثائقية ( أرخبيل غولاغ ) ، و ( غولاغ ــ بالروسية : ГУЛАГ هي مختصر لـ ( المديرية العامة للمعسكرات و المعتقلات ) .

الأهمية الأخرى لهذا الفيلم تأتي من كون مخرجه هو الروسي المتميز ” اندريه كونشالوفسكي ” ، المولود عام 1937 ، و هو مخرج ذو منجز مشهود له روسياً و عالمياً في المسرح و التلفزيون و الموسيقى ، و كان ” كونشالوفسكي ” قد نال العديد من الجوائز و الأوسمة الرفيعة و شارك في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية و نال جوائزها .

و في العام 1962 الذي حصلت فيه مجزرة ( نوفوتشركاسك ) كان لـ ” اندريه كونشالوفسكي ” حضورٌ في مهرجان البندقية السينمائي الدولي ، بإعتباره أحد كتاب سيناريو فيلم ( طفولة إيفان Ivan’s Childhood ) للمخرج الروسي الشهير ” تاركوفسكي ” ، و الذي خطف جائزة الأسد الذهبي للمهرجان .

و إضافة إلى أن فيلم ( الرفاق الأعزاء ) يوثق حدثاً روسياً إنسانياً مأساوياً جللاً في العهد السوفييتي فهو يحمل بصمة ” كونشالوفسكي ” الذي عاصر الحدث ، فأخرجه بإحساس المُعايش الشاهد و إستناداً الى خبرة سينمائية تمتد الى نحو ستة عقود ، سيلمسها المشاهد حتى و إن لم يعرف من هو ” كونشالوفسكي ” .

و سيكتشف المشاهد ــ العراقي تحديداً ــ أن ثمة وقائعً حصلت في ثورة تشرين 2019 العراقية تشبه ما حصل منها في إضراب يونيو / حزيران 1962 في روسيا : فكلا الحدثين مدفوعان بدافع إقتصادي سياسي إنساني .

و كلا الحدثين يرفضان واقع الحال السياسي اللاإنساني في كلا البلدين مع إختلاف الشكل السياسي العام .. ولكن الجوهر في التضاد واحد .

و ثمة تشابه كبير في عملية قمع المتظاهرين في كلا الإحتجاجين في كلا البلدين ، فالضحايا قتلوا برصاص ( قناصين ) قيل أنهم عناصر مجهولة .. ولكنهم معروفون . العراقيون يعرفون القتلة ولكن السلطات تسترت عليهم .. كما حصل في روسيا . تقول بطلة الفيلم ” ليودميلا ” لرجل الأمن بعد أن يئست من العثور على إبنتها في لجة الإضراب : ( كنتم أنتم ، يا أولاد العاهرات من رميتم الناس من فوق السطوح ) و هي الرفيقة الحزبية و عضو مجلس المدينة ( مثلت دورها الممثلة ” جوليا فيسوتسكايا ” ) .

و كما يترحم بعض العراقيين ــ مقهورين يائسين ــ على عهد النظام السابق في العراق ، بسبب سفالة الطبقة السياسية التي جاءت بعد عام 2003 ، فثمة من ترحم في الفيلم على عهد الدكتاتور ” ستالين ” في عهد ” خروتشوف ” خلال فترة ذلك الإضراب .

وصل هذا الفيلم الى القائمة الطويلة للأفلام الدولية ( الأجنبية ) المرشحة لأوسكار 2021 ، ولكنه لم يترشح الى القائمة القصيرة .

https://youtu.be/3olj_93LnJA