العراق.. حكومة وظيفتها إدامة الخراب

شارك
أكثر من 20 ناشطا بارزا قتلوا منذ اندلاع احتجاجات أكتوبر

شَخَّص المفكّر العراقي الراحل هادي العلوي معضلة العراقيين بأنهم يعيشون حالة ارتدادية مستمرّة، إذ دائماً يكون ماضيهم أفضل من حاضرهم! استحضرتُ مقولةَ العلوي وأنا أقرأ مسوّدة مشروع قانون الموازنة لعام 2021 والتي تم تسريبها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. قرأتها، رغم عدم تخصصي بالعلوم الاقتصادية والسياسات الماليّة، من منظور المقارنة بالموازنات السابقة والتي كنا نعتبرها أحد مكامن الخلل والفوضى في إدارة الدولة، وحينها شعرت بالخيبة والخذلان والخديعة من عناوين “التكنوقراط” التي عملت على إعداد مشروع الموازنة لعام 2021.

يأتي مشروع الموازنة ليكون كاشفاً عن عجز الحكومة في التفكير بحلول اقتصادية ناجعة وتعيد ثقة المواطن بها، وهذه الحكومة لم تخالف الحكومات المتعاقبة على حكم العراق بعد 2003 التي أثبتت بأن الدولة العراقية ليس لديها إدارة حقيقة لاقتصاد الدولة بالمعنى العلمي، حتّى وإن زعم رؤساء الوزراء أو وزراء المالية بأنهم من المتخصصين بالاقتصاد ومن أهم الجامعات الفرنسية والأميركية، كما نقرأ في السيرة الذاتية لرئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي ووزير المالية الحالي علي عبد الأمير علاوي.

فوظيفة الحكومات باتت محصورة بين إدارة جزء من موارد اقتصاد الدولة بطريقة بيع النفط وتوزيع وارداته كرواتب بعيداً عن رؤى أو سياسات عامة للتنمية. وفي الجانب الآخر إدارة توزيع عائدات الاقتصاد الريعي بين المافيات السياسية التي تهيمن على النظام السياسي في العراق.

أوهمنا كثيراً الدكتور علي عبد الأمير عندما قدَّم لنا نفسه بأنه يملك رؤية وصاحب مشروع إصلاحي لاقتصاد العراق، وهو الذي قدَّم مشروع “المانيفستو: خطّة للإحياء الوطني”. لكنّه وعلى الرغم من وصوله لمنصب وزير المالية من دون ترشيح حزبي، لم يغادر منطقة التنظير وسرد حكايات تراكمات الفساد والفشل، ولحدّ الآن لم يتقدّم بخطوة واحدة نحو تحقيق إيقاف الهدر في النفقات لمعالجة مشكلة الموظفين “الفضائيين” ومزدوجي الرواتب!

يعد موضوع الموازنة العامة من أهم انعكاسات فلسفة الحكومة في إدارة الموارد الاقتصادية وأهدافها في تحقيق عدالة التوزيع وصولاً إلى تحقيق التنمية. ومن هنا يأتي تعريفها في الأدبيات الاقتصادية باعتبارها: عملية توقع وإجازة لنفقات وإيرادات الدولة العامة عن فترة زمنية مقبلة (سنة واحدة) تعبّر عن أهدافها الاقتصادية والمالية وهي من جانب عملي أداة محاسبة تبيّن وتضبط الإيرادات والنفقات الخاصة بالدولة. والميزانية في أهم جوانبها هي جداول محاسبة تحتوي تقديرات مستقبلية لتوجه الدولة الاقتصادي والمالي والذي يبنى على فكرها الاقتصادي.

وفي العراق، لم يتفق الخبراء الاقتصاديون مثلما اتفقوا على وصف إعداد الموازنة في العراق بأنها تعبر عن غياب تام لفلسفة الدولة ومذهبها في إدارة الاقتصاد، ويختصر ذلك الخبير الاقتصادي في جامعة البصرة الدكتور نبيل المرسومي بتوصيفه مشروع موازنة 2012 بأنه يخلو تماماً من الفلسفة والسياسات والاستراتيجيات، وليس لها أهداف أيضاً، فهي “موازنة توزيعية لم تحدد فيها معدلات النمو الاقتصادي المستهدف ولا معدل نمو العمالة، أي الرقم المستهدف من معدل البطالة، ولا يوجد فيها تصور حول معدل الدين العام الخارجي والداخلي، ولم تخصص الموازنة الكافية لتطوير قطاعَي الزراعة والصناعة اللذان يمثلان قاطرة التنمية في أي بلد”.

ويوم بعد آخر، تُثبت لنا الحكومة وفريقها من المستشارين السياسيين والاقتصادين ابتعادهم عن المنطق العلمي والعملي في إدارة الدولة. وبدلاً من أن تكون أولياتها كسب ثقة المواطن من خلال معالجة نسبة البطالة وتوفير الخدمات، باتت تعمل على إرهاق كاهل المواطن بإجراءات فوضويّة تجمع بين سياسات متناقضة: رفع نسبة الضرائب على بعض الخدمات، وارتفاع سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار، استقطاع نسب عالية من رواتب الموظفين.

فالموازنة العامة التي يفترض أن تعبّر عن سياسات الحكومة الاقتصادية نحو الترشيد نجد بنودها تؤشر زيادة في النقاقات التشغيلية بنسبة تقارب الـ 20%! وبدلاً من أن تعمل على محاربة الفساد وهدر المال العام تخصص جداول للصرف بملايين الدولارات تحت عنوان (مصاريف الأمن والغذاء لمكتب رئيس الوزراء) و(نشر انجازات الحكومة)! أما بخصوص تعظيم الموارد، فيبدو أن الحكومة استهوتها سياسات الاقتراض الداخلي والخارجي عن طريق الدول والمؤسسات المالية الدولية!

إذاً، لا يمكن التعويل على هذه الحكومة وشخصياتها بإيقاف تراكمات الفوضى والفشل والفساد، فهي باتت عاجزة تماماً أمام مواجهة الأسباب الرئيسة لفشل وعجز الدولة في العراق إلى تعامل الطبقة السياسية وزعامتها مع السلطة باعتبارها أداة لتوزيع المغانم التي يوفرها الريع النفطي. هذه المتلازمة أنتجت لنا حكومات ضعيفة وعاجزة عن الاستجابة لمتطلبات مواطنيها، وأصبحت مهمتها مقتصرة على إدارة صفقات الفساد بين القوى التي تريد الهيمنة على الموارد والعائدات الاقتصادية. ولذلك أصبحت القوى السياسية متغوّلة على المجتمع وتعتبر مطالبته بالتوزيع العادل للثروات هو محاولة لتقليص دوائر النفوذ والهيمنة على موارد الدولة، وهذا ما يبرر مواجهتها بالعنف والتخوين لأي تحرك شعبي يطالب بالإصلاح.

والترابط يبدو وثيقاً ومتماسكاً بين فشل الدولة في العراق ونمط عمل الحكومات المتعاقبة على ديمومة الفساد من خلال إدارة الموارد الاقتصادية بما يخدم مصالح المنظومة السياسية. وإذا كان الحديث عن نشوء وظهور مافيات الفساد في فترات الانتقال السياسي يرتبط بتلك المرحلة الحرجة من تاريخ البلدان التي تشهد تغيّر أنظمة الحكم، فإن ما يحدث بالعراق يشكل نموذجاً جديداً وفريداً من نوعه، إذ لا تزال العلاقة طردية بين توسيع النفوذ السياسي وزيادة منافذ الفساد التي تموّل أحزاب السلطة والتي أخذت تتكاثر بطريقة مرعبة جداً، وتعتاش مثل الفايروسات بطريقة طفيلية على موارد اقتصاد الدولة.