الطارمية على صفيح ساخن.. الجيش العراقي يتوعد وداعش يحاول “فك الضغط”

شارك

لا يكاد الداخل إلى مدينة الطارمية شمالي بغداد يتخيل إن هذه الشوارع الزراعية والبساتين الكثيفة المليئة بأشجار النخل والحمضيات، والنهر الذي يمتد على طول الطريق إليها، هي في الواقع “مصائد موت” مستمرة منذ نحو 15 سنة بدون توقف.

لكنها في الحقيقة كذلك، كما يقول، جبار الفراس المشهداني، الذي يسكن في الطريق المؤدي إليها من جهة النهر والمعروف بطريق “تاجي على الشط”.

يدخل المار من هذا الطريق في السابق عن طريق فتحة أغلقت الآن، تؤدي إلى منطقة الكاظمية الشيعية، وفيما مضى لقي العشرات من العراقيين السنة والشيعة مصرعهم في قتالات قرب هذه الفتحة.

يقول المشهداني لموقع “الحرة” إن “الحال لم يكن دائما هكذا، كنا نذهب إلى الكاظمية كل يوم، وكانت مزروعاتنا تباع هناك باستمرار”.

بعد 2003، انضمت الطارمية إلى المناطق التي شهدت عنفا طائفيا، ومع أن الكاظمية لم تسجل مثل هذه الأحداث بكثرة، لكن “المعارك” كانت محتدمة بين مناطق الشعلة والتاجي والطارمية المتباينة طائفيا.

فقد جبار المشهداني أخوة له خلال تلك المعارك، قال إنهم “اختطفوا ثم قتلوا”، لكن “من الصعب معرفة حقيقة أي شيء”، كما يقول مصدر في شرطة التاجي.

ويقول المصدر إن “المعارك الطائفية اشترك فيها الأغلب هنا، هذه مناطق ذات طبيعة عشائرية محافظة، والثأر دائما عنوان كبير”.

والسبت، قتل ثلاثة ضباط وجنديان بانفجار عبوات ناسفة استهدفت مدرعتهما، كما يقول ضابط رفيع يعمل في المنطقة.

وقال الضابط الذي طلب عدم كشف اسمه لموقع “الحرة” إن “مقاتلي تنظيم داعش أطلقوا النار على أحد الأبراج في منطقة العبايجي في الطارمية، مما أدى بالجندي الموجود فيها إلى طلب المساعدة والدعم”.

ويبدو أن الموضوع كان كمينا، كما يقول الضابط، مضيفا “هذا أسلوب داعش ونحن نعرفه، لكن الجندي كان خائفا وكرر طلب المساعدة باستمرار مما أجبر الضباط على التوجه لنجدته”.

زرع مقاتلو داعش عبواتهم على الطريق الذي يؤدي إلى برج الحراسة الذي يتواجد فيه الجندي، وفجروها على سيارة تحمل ضابطين أحدهما برتبة رائد، والآخر برتبة ملازم كان تخرج لتوه من الكلية العسكرية، وجنديان آخران، مما أدى إلى مقتلهم جميعا”.

وقتل أيضا ضابط في الاستخبارات توجه لنجدة المجموعة كما يقول الضابط الذي تحدث لموقع “الحرة”، فيما نجى الجندي الأول الذي بقي في برجه إلى الصباح.

وفيما تتكرر هذه الهجمات دائما، فإن الأوضاع السياسية تؤثر على الأمن في المنطقة بشكل كبير،

ويقول ضابط قيادي آخر في المنطقة إن “طلعات التحالف الدولي كانت مهمة للغاية، لكن وتيرتها ضعفت الآن بشكل كبير”، مضيفا “في ضربة واحدة قتلت طائرات التحالف عشرة قيادين مهمين جدا”.

وضعف التنسيق كما يبدو بين التحالف وقوات الأمن العراقية بعد استمرار الضربات التي تشنها الميليشيات على مواقع التحالف، وبعد تقليص وجوده العسكري بطلب من الحكومة العراقية.

ويقول الضابط إنه “لا يعرف لماذا قلت الضربات، لكنه يعرف إنها كانت مهمة للغاية”.

وبسبب صعوبة المنطقة جغرافيا واجتماعيا، تؤدي العمليات الميدانية إلى خسائر دائما، كما يقول الضابط مضيفا “في إحدى المرات تمكنا من القضاء على خمسة إرهابيين، لكننا خسرنا جنديين في الحشد العشائري وجنديا في الجيش”.

ويضيف “نحن بحاجة إلى كاميرات حرارية ونظارات ليلية، داعش يستخدمها ضدنا فيما نحن نشتريها على حسابنا الخاص”.

كما أن الأهالي والقوات الأمنية لا يتمتعون بعلاقة جيدة كما يقول الضابط “فقد الكثير منهم أشخاصا خلال فوضى عمليات التحرير، والثقة المتبادلة لم تتعزز بعد، كما أن الكثير منهم لديه مغيبون لا يعرف بمصيرهم، ومن جهتنا، نعرف أن منهم مسلحين متخفين، والتواصل بيننا موجود لكنه ليس بالمستوى المطلوب”.

ويقول الشيخ محمد الفراج المشهداني، وهو من وجهاء المدينة إن عناصر “داعش ليسوا أغلبية لكنهم يستهدفون كل من يحاول التعاون مع الجيش”.

ويقدر المشهداني أعداد مقاتلي التنظيم المتخفين في البساتين الكثيفة للطارمية بـ”عشرات”، لكنه يقول إن لديهم ارتباطات عشائرية ومحلية تسهل لهم التنقل وتمنحهم المعلومات عن المتعاونين مع القوات الأمنية.

ويقول المشهداني إن “المقاتلين هؤلاء ليسوا عقائديين مثل مقاتلي داعش، نعرف بعضهم، ونعرف أنهم لا يمتلكون أي دين أو خلق، هم فقط متمردون على النظام يحاولون تأخير مصيرهم المحتوم”.

ولم يتمكن موقع “الحرة” من التحدث مع مسؤولين محليين من المنطقة، لكن أحد وجهائها، الشيخ أحمد الفزع المشهداني يقول لموقع “الحرة” إن “الأعمال المسلحة المستمرة يستفيد منها من يريدون تهجير أهالي المنطقة والاستيلاء على أراضيهم”.

وفي يوليو من العام الماضي، انطلقت دعوات في وسائل إعلام مقربة من الميليشيات لـ”تطهير الطارمية” اقترح بعضها تهجير سكان المدينة ومصادرة بساتينهم بعد هجوم لداعش أدى إلى مقتل ضابط وجنود في المدينة.

وقتها، تصدت الحكومة بحزم لهذه الدعوات، وزار رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، ومستشار الأمني الوطني، قاسم الأعرجي، المدينة وأرسلا “تطمينات” لسكانها.

لكن، أحمد الفزع، يقول لموقع “الحرة” إن “داعش يعلم أن ليس بإمكانه مواجهة هجوم كاسح، هو في الحقيقة يريد مثل هذا الهجوم حتى يتأذى فيه مدنيون وتزداد النقمة ضد القوات العراقية”.

“فك الضغط” عن داعش

وقال اللواء يحيى رسول، المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، الأحد، إن “الهجمات الأخيرة التي شنها تنظيم داعش ضد القوات الأمنية هي “محاولة لفك الضغط” عنه.

وقال رسول في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية العراقية إن “العصابات الإرهابية تحاول فك الضغط عنها من خلال العمليات الجبانة البائسة، باستهداف القطاعات الأمنية بزرع العبوات الناسفة في قضاء الطارمية”.

وأضاف رسول أن القوات الأمنية في بغداد نفذت بعمليات تفتيش وفق جهد استخباراتي “بعد العمل الجبان في الطارمية”.