الدور التنموي لصناديق الثروة السيادية

شارك

 

د. ثامر محمود العاني

د. ثامر محمود العاني

مدير إدارة العلاقات الاقتصادية بجامعة الدول العربية
– أستاذ الاقتصاد القياسي بجامعة بغداد سابقاً

صناديق الثروة السيادية أو «الصناديق السيادية» (SWF) هي صناديق مملوكة لدولة ما، وتتكون مواردها من أصول مختلفة: كالأراضي أو الأسهم أو السندات أو فوائض الميزانية العامة للدولة أو فوائض الاحتياطيات النقدية أو فوائض ميزان المدفوعات أو إيرادات عمليات الخصخصة، وتتسم أصولها بالضخامة وعملها بالسيادة، وتستثمر تلك الفوائض بالأسواق المحلية أو الأجنبية أو فيهما معاً، وفقاً لمعايير اقتصادية (التكلفة والعائد). أما أهم أنواع الصناديق السيادية فهي صناديق الاستقرار، وصناديق الادخار أو المدرة للعائد المستقبلي، وصناديق احتياطي التقاعد العامة، وصناديق الاستثمار الاحتياطية، وصناديق الثروة السيادية للتنمية الاستراتيجية، والصناديق التي تستهدف صناعات معينة (ربما تكون ناشئة أو متعثرة)، وصناديق الأصول الاحتياطية بالعملات الأجنبية (ربما لا يعتبرها البعض صناديق ثروة سيادية) لكنها تستخدم لأغراض حكومية محددة أو للمساعدة في إدارة سعر صرف العملة في الأسواق الدولية.
وتهدف الصناديق السيادية لتحقيق أهداف استراتيجية وسياسية واقتصادية، وتحقيق النمو المستدام، وتمويل برنامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومساعدة السلطات النقدية في إدارة السياسة النقدية، وتعظيم عوائد احتياطيات الصرف الأجنبي، وتنويع مصادر الدخل، وتحقيق مبدأ عدالة توزيع الثروة بين الأجيال وحماية الاقتصاد والموازنة العامة.
ووفقاً لأحدث بيانات معهد «إس دبليو إف آي»، الذي يرصد تطور قيمة أصول الصناديق السيادية حول العالم، تتصدر حاليا مؤسسة الاستثمار الصينية الصناديق السيادية عالميا بقيمة 1.43 تريليون دولار، وجاء الصندوق التقاعدي النرويجي ثانيا بقيمة 1.136 تريليون دولار، وعربيا، حاز جهاز أبوظبي للاستثمار المركز الثالث عالميا بقيمة 790 مليار دولار، تلاه الصندوق السيادي لهيئة الاستثمار الكويتية بقيمة 750 مليار دولار، ثم صندوق الاستثمارات العامة السعودي بقيمة 607 مليارات دولار، وجاء جهاز قطر للاستثمار في المركز الرابع عربيا بأصول بلغت 461 مليار دولار، ما مكّنه من اقتناص المركز التاسع عالميا.
وتأسس الصندوق السيادي المصري عام 2018، ويهدف بشكل أساسي لجذب الاستثمارات الخاصة لمصر وتشجيع الاستثمار المشترك في الأصول المملوكة للدولة، من أجل زيادة قيمتها، كما يسعى إلى اختيار الأصول القابلة للاستثمار من مختلف أجهزة الدولة لترويجها والاستثمار المشترك بها مع مستثمرين محليين وأجانب متخصصين، إذ تم رفع رأس المال المرخص به لصندوق الثروة السيادي المصري، إلى 400 مليار جنيه (13.38 مليار دولار)، إذ قام الصندوق بضخ استثمارات في قطاعات مختلفة، مثل قطاعات التصنيع الزراعي والخدمات المالية والرقمية والصناعات المختلفة.
ويمتلك العراق تجربة سابقة في إنشاء صندوق ثروة سيادي، وذلك عبر إنشاء الصندوق العراقي للتنمية الخارجية الذي تأسس بموجب القانون رقم (77) لسنة 1974. إذ اقتصر عمل هذا الصندوق على إدارة مساهمات العراق المالية في المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية، كما كانت هناك محاولة لإنشاء صندوقين سياديين للعراق في عام 2018، إلا أن ذلك لم يتم، إذ ينبغي على الحكومة الجديدة الشروع بصورة جدية في إنشاء صندوق سيادي للعراق، للاستفادة من الارتفاع الحاصل في أسعار النفط الآن.
وتزايد الدور التنموي لصناديق الثروة السيادية في النشاط الاقتصادي المباشر، بما يتجاوز دورها كمشرع ورقيب؛ ولما كانت هذه الصناديق إحدى أذرع الدولة، فسيزيد ذلك من أهميتها في هذا الشأن، ومع ارتفاع حدة البطالة وشدة الركود، ينتظر من هذه الصناديق أن يظهر أثرها التنموي في مجالات الاستثمار على النمو، وإتاحة فرص العمل اللائق، والالتزام بالحد الأدنى للأجور، والمناخ الآمن للعمل، والضمانات التعاقدية للعاملين.
ولما كانت صناديق الثروة السيادية بهذه الأهمية من حيث كونها أسلوبا متقدما لاستيعاب الفوائض المالية بغية ادخارها واستثمارها وتنويع مصادر الدخل الوطني وضمان العدالة التوزيعية بين الأجيال، إذ إن أسباب وموجبات نجاحها متوفرة، لذا فإن نجاحها بالعمل كمنظم اقتصادي متقن من حيث الآلية والعمل موجودة وبقوة في ظل المعطيات الاقتصادية الدولية، من اقتصاد السوق الحر وحرية انتقال رؤوس الأموال دولياً وتطور وسائل الاتصالات والمواصلات وتقنية المعلومات والأهم هو تطور الكفاءات البشرية. وتتأتى أهميتها في وقت يشهد الاقتصاد العالمي فيه التطور السريع لظاهرة صناديق الثروة السيادية وظهورها كمنافس للمستثمرين المؤسسيين الآخرين مثل صناديق التقاعد وصناديق المضاربة، وهو ما يتطلب التعرف على هذه الصناديق ومحاولة تقييم مساهمتها في الاقتصاد العالمي.
وفي الختام، فإن استخدام آلية صناديق الثروة السيادية، ودمجها في ميزانية الدولة، وعدّها جزءاً لا يتجزأ من مالية الدولة، مكّن الدول من تجنب الآثار الضارة للدورات الاقتصادية في الرواج والكساد، إذ تعمل كمنظم اقتصادي نابض يضخ ويسحب السيولة النقدية وفق احتياجات الاقتصاد الوطني بشكل مبرمج وفعال، مما يؤدي إلى تخفيف وتجنب الأزمات المالية، وتؤدي دورا تنمويا مهما في الوقت نفسه.