الدنيا بالمقلوب

شارك
&&&&&&&&
لا أدرى إن كان البعض، لاسيما النخب العلمية والثقافية، قد استبدل قيم الحياة الحميمية، بقيم التواصل الرقمي، وألغى من خلالها الكثير من المنظومات الاجتماعية الإيجابية والروابط الإنسانية التي منحت الحياة الوانا بهيجة، وبساطة متناهية في العلاقات والتفاعل الاجتماعي.
فما يدور اليوم بين الأهل والأصدقاء في عالم الخوارزميات والموبايل والرسائل النصية بأنواعها يكاد يكون انسلاخا أخيرا عن القيم التي تشكلت في أسرنا وبيئتنا، واقصد بها تلك القيم الإيجابية التي ربطتنا لسنوات، وشكلت أحلى رابط اجتماعي مثير للدهشة، وعلامة فارقة تميزنا عن الأقوام الأجنبية.
اليوم تغير كل شيء، ربما بسبب الحياة المعاصرة، أو خلل في قيمنا، أو تقدير غير صحيح في التعامل الإنساني. فقد تم استسهال التعامل الإنساني برسالة نصية قصيرة لا حياة فيها في أشد لحظات الألم والنكبات الكبيرة.
فالموت في الفيسبوك يختصر ب(لايك) للمرحوم أو المرحومة، وتهنئة الأب والأم والإخوة في العيد والمناسبات برسالة نصية خجولة. والقصص كثيرة تدمي القلب والمقل.
لست ضد العصر، ولا أكن العداء لوسائل التواصل الاجتماعي، ولا للرسائل النصية التي تختصر الزمن بكلمة صباح الخير أو مساء الخير، فانا شخصيا من محبيها ومستخدميها، لكنني اتحدت عن فعل متعدي يتعدى الفاعل لينصب المفعول به، بمعنى استخدام هذه الوسائل بطريقة سمجة وغير لائقة بين البشر.
فإذا كان صديقك في نفس المبنى الذي تسكنه، فهل هناك حاجة لإرسال رسالة نصية تهنئة العيد أو تعزية ميت، أو كان يبعد عنك عشرات الكيلو مترات، فهل يقلل من قيمة الشخص أن يستخدم التلفون المجاني ليتضامن معه في المسرات والأحزان.
قرأت للصديق رعد البيدر الكاتب والأكاديمي كلاما حزينا على الفيسبوك يشتكي من هذه الظاهرة المخجلة نصها ” إذا اتفقنا ان وباء كورونا مانعا للتزاور من باب التحفظ. فهل ان إرسال (صورة – سطور) منقولة تدور على صفحات متعددة إلى أعزاء، أو ذوي فضل علينا يعوض عن مكالمة هاتفية معظمها مجاني على وسائل التواصل الاجتماعي في عيد يجمع بين فرحة الإفطار المنتظرة، وقسوة معاناة العراقيين في الداخل والخارج، دعوة لمراجعة (الجديد) من السلوك السائد حاليا قبل ان تتغير قوادم الأعياد إلى (سنطاوي) لا صورة ولا صوت..مع أعز الناس”. والزميل اختصر السلوك المشين بعبارات تدل على عمق الحزن في داخله بسخرية لاذعة. وانا شخصيا أتعاطف مع ما كتبه، بل أشكره، لأنه أضاء عتمة السلوك السلبي.
لقد وجدت أمثلة في الحياة غريبة عن السلوك الطبيعي في ظل كثافة المعلومات، وبراعة التقنيات وسرعتها. حيث تراجعت نبرة الإحساس بالتفاعل الاجتماعي، وحرارة الألفة، وجمال السؤال المقترن بالحضور والصوت، فتأسست لنا قيما خارج تغطية المشاعر الإنسانية، فبدأنا نقرأ من التقنية، ليقل لدينا الإحساس بالبشر والعواطف.
فالأثم ليس في التقنيات الحديثة الجامدة، وإنما في القلوب التي تجمدت في “فريزر” الحياة.
وكما يبدو، ان الحياة تسير بالمقلوب. فالابن لا يخجل من إرسال رسالة نصية لوالديه تهنئة بالعيد، والأخوة الصغار ينتظرون من الكبير أن يهنئهم، والطالب ينتظر من أستاذه أن يبادر بالسؤال والتهنئة، (اعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني).
فما عدنا نسأل إلا وقت الحاجة والمصلحة الشخصية. فقد تم تدمير منظومة القيم، وتمزيق النسيج الاجتماعي.وماعاد في هذه الدنيا حبيبا يستحق منا ان نحاوره ونجالسه، إلا قطعة من نيكل الموبايل، وبطارية مزودة بالطاقة الكهربائية، تتكلم بحروف الأموات!
شخصيا، لم أجد في العيد لذة التفاعل، فالرسائل النصية كثيرة، بعضها مقبول لأن المرسل مجرد صديق أو قارئ، لكن المحزن من هم الأقرب لك، وخاصة القريب مكانيا، رغم أفضالنا عليه بالعلم والرزق. ومع ذلك ينتظر منك مكالمة تلفونية، ويسقط قيم العمر، وفضل المعلم.
أقسى ما مررت به يوم وفاة والدة زوجتي في العيد، فقد كان للغرباء والأبعدون الفضل في التواصل تلفونيا بالعشرات، أما المقربون فاكتفوا برسالة نصية خجولة، و(لايك) إعجاب بموت المرحومة!
بالمناسبة لست مستغربا بما يحدث، وليس عاتبا على أحد، لأن هناك أزمه قيم لا نعرف تصريفها في قنوات الحياة، مثلما هناك أزمة معرفيّة، وبصيرة اجتماعية فاقدة الإحساس. فما الجدوى من الشكوى، بعد أن اجتاز البعض حدود العشرة إلى منطقة الشر والأنانية، للتحريض والتشويه، لمن قدم لهم الكثير من الواجب المعرفي والإنساني بلا منة.
فأنت اليوم ترى الشماتة والجحود وظلم الإنسان لأخيه الأكثر انتشارا، وترى الوفاء والحب هي السمات النادرة. وقيل ان الوفاء فعل مستمر، وان الدنيا مسالة حسابية، اطرح منها التعب والشقاء، واجمع لها الحب والوفاء.
سبحان الله، تغيرت كل قوانين الكون، فتفاحة نيوتن سقطت فوق رؤوسنا، وأصبحت الجاذبية اقل قوة بسبب سلوكيات الفرد، وفيزياء النظرية النسبية لأينشتاين غيرت فكرة الجاذبية إلى فكرة “الزمكان”. فلا تفاعل شخصي.
والسلوك الرقمي أنشأ لنا فكرة ضد الأواني المستطرقة، حيث تغيير “أوعية” الرابطة الاجتماعية، تضييقا أو تمديدا أو تعويجا. ذلك لأن سوائل السلوك المستطرقة ليس وعاء، والمشاعر والقيم والعواطف ليست سوائل مادية.
نبيع من يشترينا، ونجري خلف من يبيعنا. زمن كأن الدنيا سقطت عن قرن ثور، وراحت تسير على راسها. تسيح فيها الألوان متداخلة، حتى تستحيل إلى دنيا خرابيش!
د.ياس خضير البياتي