الحد من مخاطر الميليشيات وسلاحها المنفلت لا يقبل التهاون والمجاملات! 

شارك

عصام الياسري 

 

اللغة وسيط المعرفة.. والمعرفة اساس كشف الحقيقة.. والحقيقة واحدة لا تقبل التأويل أو التضليل!!  

منذ اللحظة الاولى لسقوط نظام صدام واحتلال العراق عام 2003، اختارت القيادة الإيرانية استراتيجية مزدوجة، لا تزال تتبعها من حيث المبدأ حتى يومنا هذا: من ناحية، دعمت حلفائها مثل فيلق بدر والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق سياسيا في الوصول إلى السلطة في بغداد وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية. من ناحية أخرى، روجت لجماعات مسلحة مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، الميليشيا، التي تعمل بشكل وثيق مع منظمة بدر أداة إيران السياسة في العراق لمهاجمة القوات الأمريكية. بيد أن إنشاء وحدات الحشد الشعبي أثر فتوى “الجهاد الكفائي” للمرجعية لمحاربة داعش وانضمام الفصائل الموالية عام 2014 اليها، أتاح للإيرانيين فرصة زيادة نفوذهم في العراق بشكل كبير بمساعدة ميليشيات يسيطرون عليها ومرتبطة بعلاقات عقائدية وأيديولوجية وعسكرية ومالية وسياسية بإيران، مما أدى في ضوء النتائج زيادة قوة الإيرانيين استراتيجيا، وجعل العراق غير مستقرا. بمعنى آخر أصبحت الانتصارات على داعش تغذي الصراعات السياسية الداخلية، وتحول العراق بشكل متزايد الى دولة ميليشيات يكون فيها الجيش والشرطة عناصر هامشية فقط ، غير قادرة على سيطرة الميليشيات والاحزاب من مختلف الجماعات العرقية والطائفية على السلطة وموارد الدولة المالية والعينية والطبيعية. فيما فقدت الحكومة المركزية اعتباراتها وقدرة الحد من الازمات المتراكمة التي تواجه الدولة، ووصلت هيبتها الى الحضيض.!      

في 26 حزيران 2021 قام الحشد الشعبي بإستعراض عسكري في قاعدة ابو منتظر المحمداوي بمحافظة ديالى العراقية، شارك فيها اكثر من عشرين الفا من عناصر الحشد، عرضت خلاله أنواع مختلفة من الأسلحة والصواريخ والراجمات والطائرات إلايرانية الصنع التي تم نقلها في الأسابيع الماضية عبر الحدود مع إيران. فيما شهدت المدينة انتشارا أمنيا كثيفا لتأمين الاستعراض الذي حضره رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي (لم يعرف يسبب وغاية وجوده) وقادة في وزارة الدفاع والحشد منهم أبو فدك المحمداوي رئيس أركان الحشد وفالح الفياض رئيس هيئة الحشد. وكان الحشد الشعبي قد ارجأ هذا الاستعراض الذي كان من المقرر إقامته يوم 14 حزيران ـ يونيو دون بيان الأسباب.. السؤال ما الهدف من وراء الاصرار على اقامة الاستعراضات (الميليشياوية) المسلحة في ظرف متأزم يعاني منه العراق والعراقيون؟. سيما وان تصاعد التوتر بين فصائل تحسب على الحشد الشعبي والحكومة العراقية أواخر الشهر الماضي على خلفية اعتقال قيادي لأحد الميلشيات المنخرطة في الحشد قاسم مصلح ومن ثم انتشار الفصائل المسلحة داخل المنطقة الخضراء ومحاصرة عدة مواقع حيوية بينها منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي والأمانة العامة لمجلس الوزراء، وجهوزيتها للتمرد على الدولة علانية، قد ترك انطباعا بان فصائل في الحشد الشعبي تريد ان تسرّع انهيار الدولة العراقية في الوقت الذي كان يُنتظر منها أن تلتزم بالقانون وحفظ الأمن وحماية الدولة لا التمرد عليها وتعريض مؤسساتها والمجتمع للخطر. بيد ان معظم هذه الميليشيات ترفض ان تكون تحت قيادة الحكومة العراقية او من الناحية القانونية لاوامر القائد العام للقوت المسلحة. بل هي لا تمتثل إلا لقيادة الحرس الثوري الإيراني، الذي يدربها ويقوم بتزويدها بالسلاح والمال وتقديم النصائح.   

لقد أثار تحرك الفصائل المدججة بالسلاح الشيعية والضغوط السياسية التي مورست على القضاء العراقي، لاطلاق سراح مصلح، بذريعة عدم كفاية الأدلة الموجهة ضده في قضية اغتيال الناشط إيهاب الوزني، بعد مدة احتجاز لـ 12 يوماً، انتقادات محلية ودولية واسعة النطاق. لكن مع كل انتصار للاحزاب الطائفية والميليشيات المسلحة، تقترب القيادة الإيرانية من هدفها المتمثل في إقامة دولة داخل دولة في العراق من أجل التحكم بمصيره وبسط نفوذها عليه، وجعله ساحة مواجهة لتصفية الحسابات مع خصومها وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة، غير آبهة بما يلحق بالعراق من خراب وعدم استقرار، وبالتأكيد جعل الحكومة المركزية العراقية اضحوكة غير قادرة للسيطرة على الاوضاع السائبة على المدى الطويل.. والمثير للغرابة ان الحكومة لا تدرك مدى خطورة استمرار الميليشيات المدعومة من إيران اطلاق الصواريخ والكاتيوشيا وفي الاونة الاخيرة الهجمات بطائرات دون طيار على قواعد ومنشآت عراقية يتواجد فيها أمريكيين وتكتفي بالتهدئة والمجاملات لارضاء الكتل السياسية، الأمر الذي أعطى الامريكيين ذريعة لتوجيه ضربات عسكرية دفاعية على عدة أهداف تابعة للحشد فوق الاراضي العراقية كان آخرها الهجوم الجوي في 28 حزيران 2021 في منطقة الحدود العراقية ـ السورية.  

المثير للاستغراب أيضا، أن “قوات الحشد الشعبي” التي تم انشاؤها في الأصل لمحاربة عصابات “الدولة الإسلامية” الارهابية، لا تزال موجودة بعيدا عن رقابة الدولة ومؤسساتها. فيما يعتقد من ان هناك عمليات اختطاف وقتل تنفذها على خلفية سياسية او إرهابية أو إجرامية عناصر مسلحة تابعة لميليشيات انخرطت في الحشد الشعبي يذهب ضحيتها العديد من المدنيين الابرياء وهذا سيكون له مردودٌ سلبي على الحشد وسيفقد سمعته الطيبة وستذهب تضحياته التي قدمها في مواجهة عصابات داعش الإرهابية أدراج الرياح.   

لقد أصبح العراق والوضع الأمني فيه في تدهور مستمر فقد أفاد نشطاء التظاهر في العديد من المحافظات بإنهم أغلقوا أنشطتهم على شبكات التواصل الاجتماعي تماما. وقاموا بتغيير عناوين بريدهم الإلكتروني وأرقام هواتفهم. لأسباب أمنية، فيما ينام الآخرون في أماكن مختلفة يغّرونها كل ليلة – أحيانا مع الأصدقاء وأحيانا مع الأقارب، ويحاول البعض أيضا مغادرة البلاد. ولتجنب تهديدات القتل فرّ آلاف المعارضين المشاركين في المظاهرات، من بينهم محامون وصحفيون وحتى قضاة، لانهم يرون حياتهم وعوائلهم مهددة على خلفية مشاركتهم بانتفاضة تشرين.