أنقرة تستدعي السفير الإيراني بعد تصريحات سفير طهران لدى بغداد ضد تركيا

تصاعدت وتيرة الحرب الباردة بين إيران وتركيا بعد أن باتت العراق أرضا خصبة لصراع برز بشكل كامل للسطح من خلال تصريحات سفيري البلدين لدى بغداد.

وزادت التوترات بعد استدعاء الخارجية التركية سفير طهران لدى أنقرة، الأحد، على خلفية تصريحات سفير إيران لدى بغداد بشأن التواجد التركي بالعراق، في خطوة هي الثانية خلال 3 أشهر، ما يعطي إشارة واضحة إلى أن الخلاف التركي الإيراني بات عميقا.

ويرجع التوتر التركي الإيراني في العراق إلى قضاء سنجار شمالي البلاد، والذي تسعى إيران لأن يكون نقطة عبور لمليشياتها بين العراق وسوريا، فيما تتدخل تركيا لملاحقة أعضاء حزب العمال الكردستاني المتمركزين في القضاء ذاته.

كان سفير إيران لدى العراق، إيرج مسجدي، قال في مقابلة مع شبكة “رووداو” التابعة لإقليم كردستان إن “إيران لا تقبل بوجود قوات أجنبية في العراق (…)، ونحن نرفض التدخل العسكري، ويجب أن لا تكون القواتُ التركية بأي شكل من الأشكال مصدرَ تهديدٍ للأراضي العراقية ولا أن تقومَ باحتلالها”.

وأضاف السفير الإيراني: “على الأتراك أن ينسحبوا إلى خطوط حدودهم الدولية وينتشروا هناك وأن يتولى العراقيون بأنفسهم ضمان أمن العراق”.

لكن الرد التركي جاء عبر سفيرها لدى بغداد، فاتح يلدز، الذي قال في تغريدة إن “سفير إيران هو آخر شخص يمكن أن يعطي تركيا درسا في احترام حدود العراق”، وثانيا باستدعاء السفير الإيراني في البلاد.

في المقابل، طالب رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، باحترام سيادة بلاده وعدم التدخل في شؤونه، في إشارة واضحة إلى التراشق الإعلامي بين السفيرين الإيراني والتركي لدى بغداد.

وكتب الحلبوسي على تويتر: “ممثلو البعثات الدبلوماسية في العراق واجبهم تمثيل بلدانهم وتعزيز التعاون بين البلدين، فعلى بعض ممثلي تلك البعثات أن يعي جيدا واجباته، ولا يتدخل فيما لا يعنيه، ويحترم سيادة العراق لكي يُعامل بالمثل”.

“وقاحة من الطرفين”

وقال عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب العراقي، رامي السكيني، إن “التراشق الكلامي بين سفيري طهران وأنقرة يمثل استخفافا بالسيادة العراقية، أن ما حدث ناتج عن عدم حفظ كل سفير لواجباته ومهامه كممثل دبلوماسي لبلاده في العراق”.

وأضاف السكيني في تصريحات لموقع “الحرة” أن هذا يعد “استهتارا وعدم حفظ للبرتوكول الدبلوماسي، ما بجعل العراق منطلقا لتصريحات غير مسؤولة”، مطالبا حكومة بلاده باستدعاء السفيرين فورا.

بدوره، ذهب المحلل السياسي العراقي، غانم العابد، في الاتجاه ذاته، وطالب وزارة الخارجية باستدعاء السفيرين و”توجيه رسائل شديدة اللهجة لهما بضرورة احترام السيادة العراقية”.

وقال النائب السكيني وهو عضو بتحالف “سائرون” إن ما حدث “غير صحي، وعلى وزارة الخارجية أن تقوم بدورها، وألا يكون موقفها جبانا أمام تركيا وإيران”، مشيرا إلى ضرورة مطالبة وزارة الخارجية البلدين بتغير السفيرين اللذين “خرقا المواثيق الدبلوماسية وخرجا عن مهام إدارة سفارة بلديهما في العراق”.

وتابع: “لا يمكن لسفير دولة في دولة أخرى التصريح ضد دولة ثالثة، فالأعراف الدبلوماسية تحتم أن تكون مثل هذه التصريحات صادرة عن وزارة الخارجية في كل بلد”، مطالبا البلدين أن يفضا صراعهما بعيدا عن الأراضي العراقية.

من جانبه، قال العابد لموقع “الحرة” إن هذه “التصريحات مرفوضة جملة وتفصيلا”، مشيرا إلى أنها “تصرف لا يمثل الأعراف الدبلوماسية بالتحدث عن بعضهما البعض على الأراضي العراقية”.

وأردف: “تصرف وقح من قبل الطرفين”، لكن المحلل السياسي العراقي قلل من مدى تأثير ماحدث على الواقع أو تكون التصريحات معبرة عن فقدان بلاده لسيادته على الأرض.

وبينما يقول النائب العراقي السكيني إن هذه التصريحات ربما تمثل “فجرا جديدا” للأزمة بين تركيا وإيران، أشار العابد إلى أن حديث السفيرين يمثل انعكاسا للصراع الموجود على الأرض في سنجار، باعتبار أن “إيران تحتضن حزب العمال الكردستاني المتواجد في القضاء، ومقاتلوه يحصلون على رواتب كالحشد الشعبي تماما، في المقابل يتعرض أعضاء حزب العمال الكردستاني لملاحقة عسكرية من قبل تركيا”.

الصراع في سنجار

في 9 أكتوبر، وقعت الحكومة العراقية اتفاقا مع حكومة إقليم كردستان لحل المشكلات القائمة بقضاء سنجار شمال البلاد.

وبعد سنوات من الخلاف الذي حال دون عودة عشرات آلاف النازحين الذين شردهم تنظيم داعش عند سيطرته على المنطقة عام 2014، ستتولى قوات الأمن الاتحادية بالتنسيق مع قوات إقليم أربيل، مهمة حفظ الأمن وإخراج الجماعات المسلحة غير القانونية، وفقا للاتفاق الذي حظي بترحيب دولي واسع.

ومنتصف فبراير الجاري، خاطب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أنصار حزبه الحاكم، قائلا: “لا (جبال) قنديل ولا سنجار ولا سوريا. من الآن، لم يعد هناك مكان آمن لهؤلاء الإرهابيين”، في إشارة إلى مناطق في شمال العراق توجد فيها قواعد لحزب العمال الكردستاني (البكاكا).

بعد وئام دام لسنوات بين الوجود العسكري لطهران وأنقرة، أعلن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف رفض بلاده لوجود تركيا في سوريا والعراق، واصفا سياستها بـ”الخاطئة”.

وجاءت تصريحات إردوغان بعد يومين من تهديد حركة النجباء بمهاجمة القوات العسكرية التركية في شمال العراق، وهي مليشيا شيعية مسلحة مدعومة من إيران مصنفة على قائمة الإرهاب لدى الولايات المتحدة، كما هو الحال بالنسبة لحزب العمال الكردستاني.

كذلك، هددت “عصائب أهل الحق” التابعة للحشد الشعبي والموالية لإيران، بأنها على استعداد “للتصدي لأي سلوك عدواني” من جانب تركيا.

وقبل أيام، أعلن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، رفض بلاده لوجود تركيا في العراق وسوريا، واصفا سياسات أنقرة بـ”الخاطئة”.

يُعد شمال العراق خاصة قضاء سنجار، منطقة استراتيجية مهمة بالنسبة لإيران التي تستغل القضاء كحلقة وصل للمليشيات التابعة لها بين العراق وسوريا ضمن مشروعها في المنطقة.

لكن التدخل العسكري التركي في سنجار يمثل إزعاجا لمشروع طهران التوسعي في المنطقة، ما أسفر عن تقاطع مصالح البلدين الذين كان بينهما تعاونا خلال السنوات الماضية.