أصداف: أصل الخراب في العراق

شارك
المقال منشور في الوطن العمانية

وليد الزبيدي

في هذا المنبر ومن خلال صفحات هذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن)، حذرنا في وقت مبكر جدا من مستقبل العراق، وحددنا بالدقة المتناهية جذور هذا الخطر، بل الأخطار والمتمثل بالنص الأول الذي مهَّد للدستور الحالي، وأقصد به ما سمي بـ”قانون إدارة الدولة” وتم إقراره من قبل مجلس الحكم الانتقالي في شهر مارس في العام 2004.
قبل وصول السفير بول بريمر بعدة أيام، تردد للمرة الأولى اسم البروفيسور (نوح فيلدمان) في بعض الصحف العربية، وذكرت صحيفة (الرياض السعودية في عددها الصادر يوم 11/5/2003)، أن د.فيلدمان هو(أبو الدستور العراقي الجديد)، وكان قد مضى على الاحتلال الأميركي للعراق شهر واحد فقط، ولم يكن هناك تصور عن شكل الحكومة التي تنوي إدارة الاحتلال الأميركي تنصيبها في العراق، ولم يعتقد الكثيرون، أن نوح فيلدمان وهو بروفيسور يهودي أميركي من أصل عراقي، مكلف بوضع أسس الدستور العراقي، الذي يقسم هذا البلد على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية، وباشر عمله في بغداد بصفة المستشار القانوني لبول بريمر، ووضع الصياغة الكاملة لما سُمي (قانون إدارة الدولة) الذي بدأ الحديث عنه بعد أشهر من تشكيل مجلس الحكم، وأعلنت بنوده في (16/11/2003)، وتحدث عنه الكثيرون من السياسيين المشاركين في مجلس الحكم وامتدحوه كثيرا، وانتقده بشدة المعارضون للاحتلال الأميركي، ووجدوا فيه جميع بوابات تخريب العراق وتقسيمه وتدميره، ونوح فيلدمان مؤلف كتاب (بعد الجهاد) وهو أستاذ الفكر الإسلامي ومدرس القانون في جامعة نيويورك، ووصل إلى بغداد في ذلك الوقت وشغل منصب رئيس فريق الخبراء الدستوريين فيما سمي (مكتب إعادة الإعمار في العراق).
من المعروف، أن الدستور الذي تمت صياغته عام 2005، لم يخرج عن الثوابت التي جاءت في قانون إدارة الدولة الذي كتبه فيلدمان، وجرى الاستفتاء على هذا الدستور الذي وضع جميع نوافذ ومداخل ومخارج العملية السياسية الطائفية والعرقية في (15/10/2005)، وأصرت حينذاك الإدارة الأميركية على إقراره بالصيغة التي وضعت وبالتفاصيل والجزئيات التي ثبتها فيلدمان، ورغم اعتراضات الكثيرين على مسألة الاستعجال في إقرار الدستور، إلا أن الأميركيين تحدثوا عن توقيتات (مقدسة) بالنسبة لهم، ومن أهمها إقرار الدستور عام 2005، لتجري الانتخابات اللاحقة في 15-12-2005 وفقا لهذا الدستور.
إن التحدث عن دور نوح فيلدمان باعتباره العقل الذي وضع آليات العمل السياسي في العراق، في حقبة ما بعد الغزو وباشر عمله في وقت مبكر من الاحتلال الأميركي، لا ينفصل عن مجمل الأوضاع في العراق وتداعيات الأحداث فيه، وبدون شك أن إدراك العقول المخططة والمفكرة لبرنامج المقاومة العراقية قد توصلت في وقت مبكر إلى تحديد خطورة هذا النهج وما يتضمنه من تداعيات مستقبلية واسعة ومتشعبة، مع التأكيد على أن برنامج الاحتلال العميق، لا يسعى إلى السيطرة على الثروة النفطية، كما حاول الكثيرون الترويج لذلك وترسيخ قناعات تذهب بهذا المنحى، ولا يبحث عن أسلحة دمار شامل مزعومة، وليس هدفه تغيير وجوه في سلطة الحكم داخل العراق، بل برنامج يسير وفق مخطط عميق وخطير، يبدأ بتفتيت المجتمع العراقي وتقسيمه على طريق تخريب الروابط المجتمعية وزعزعة مرتكزات القوة في المجتمع العراقي.
بدأ التخريب الممنهج من مؤتمر لندن في أواخر العام 2002، وبدأ الترسيخ الأول من خلال قانون إدارة الدولة ليكمل ذلك “الدستور الحالي”.